ويشهد « جولدزيهر » لهؤلاء العلماء الذين يجوبون الأقاليم الإسلامية من شرقها إلى غربها لطلب الحديث بالصدق والحجة وأنهم فعلا يستحقون لقب « طوّاف الأقاليم » ويرى أن بعض هؤلاء الجوّالين قد طوفوا بالشرق والغرب مرارا وهم - في نظره - ليسوا مبعدين ولا مغالبين « 1 » .
ويرى « جولدزيهر » أنه من نتيجة الرحلات في طلب الحديث تمهيدها لطبع الحديث بطابع مشترك تتماثل فيه النصوص والتشريعات ، وإن كانت أصول روايتها مختلفة المصادر حين تفرد بها أول الأمر إقليم واحد لم يشركه أحد . وكان أقل ما يفترض في هذا التفرد الإقليمي اختلاف العبادات باختلاف الرواة في الأقاليم . ولكن هذه الروايات المتباينة أخذت في التقارب شيئا فشيئا حتى أمكن صهرها في قالب واحد . ولم يقف أثر هذه الرحلات عند حد التشابه بين النصوص ، أو التوحيد بينها ، بل تعداه إلى وحدة التشريع ووحدة الاعتقاد .
ويورد « جولدزيهر » حديث « النيات » كمثال على وحدة الحديث الناجمة عن طلبه من قبل رواته ، ويراه من الأحاديث الأخلاقية الهامة وقد بدأ به مصنفو الأحاديث كتبهم . ويرى أنه كان معروفا بالمدينة فقط ولكنه انتشر في المقاطعات الإسلامية الأخرى نتيجة الرحلة في طلب الحديث التي أدت إلى توحيد نصّه ونقله من طابعه الإقليمي الأصلي إلى الطابع العام المشترك ، ولذلك تشابهت الروايات المماثلة في الكتب الصحيحة حول الموضوع الواحد « 2 » .
وكما أدت الرحلات في طلب الحديث إلى توحيده ، وتوحيد التشريع الإسلامي فإنها أدت بالتالي إلى التشدد في الأسانيد ، لمعرفة كل رجل ورد اسمه في سلسلة الإسناد . فهذا البخاري قد استمع إلى أكثر من ألف شيخ وعليه أن يتحقق من صدقهم وعدالتهم وضبطهم لأن معرفة الرجال نصف العلم . ولم يقتصر الأمر على الرحلة في طلب الحديث لجمعه ووضعه في الكتب ، ولكن الأمر يقتضي الطالب الذهاب إلى الرواة لسماع الحديث منهم مباشرة . ويرى « جولدزيهر » بعض المبالغة التي قد تحف أخبار الرحالين ومنها ما قيل في أبي عبد اللّه بن منده ، ( ت 395 ه ) أنه « ختام الرحالين »
هامش
( 1 )Goldziher , op . cit , p . 220 .( 2 )Ibid , p . 222 .