تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
دحضناه في مبحث سابق عندما يذكر أن حديث « العمل بالنيات » كان معروفا في المدينة فقط ثم أصبح بعدئذ مبدأ عاما مسيطرا في نظرية التشريع الإسلامي « 1 » . كان العلماء يرتحلون طويلا لطلب الحديث الذي لا يوجد في مقاطعاتهم ، وكانت القواعد الصارمة تقتضي لكي يصبح الحديث صحيحا وله قيمته الدينية والتشريعية أن يسمع شخصيا ومباشرة من حامله . حتى يتمكن السامع بعدئذ من إذاعته باسمه . ومن هنا على طالب الحديث أن يضع اسمه في سلسلة الإسناد كآخرهم والذي له الشرف في رواية الحديث . ونحن نخالف « جولدزيهر » فيما ذهب إليه من أن طلب الحديث هو أحد مظاهر تطور الحديث ، وأنه ساعد على نشر أحاديث يشكّ في صحتها ثم انتشرت بعدئذ كحديث « النيات » . ولكننا نرى أن هذه الطريقة ساعدت بالفعل على توثيق الحديث واستخلاص صحيحه من موضوعه . كما ساعدت على انتشار السنة ، فكان طالب الحديث يرى راويه شخصيا ، ويطلع على سيرته ووضعه الاجتماعي حتى يحظى بالتقدير والاحترام ، ويسأل أهل بلده عنه . نعم يستطيع الراوي أن يسمع من رواة الحديث في البلاد التي سافر إليها أحاديث لم يسمعها من علماء بلده ، ولكن هذه الطريقة الصحيحة لا يفهم منها - كما ذهب جولدزيهر - أنها وسيلة من وسائل تطور الحديث ، وأنها قد تؤدي إلى وضع أحاديث جديدة . يعترف جولدزيهر صراحة بأهمية رواية الحديث من المروي عنه شخصيا ومباشرة حتى يصبح الرواة من حملة الحديث أيضا . وهذا الإقرار يدل على التثبت من المروي عنه ويدل بالتالي على التأكد والتحقق من صحة الحديث المروي . وهكذا كانت هذه الرحلات الشاقة والطويلة لطلب الحديث وسماعه من أفواه رواته . فهذا أحمد بن موسى الجوالقي ( ت 306 ه ) من الأهواز كان يرتحل كل مرة من عبدان إلى البصرة لسماع أحاديث هناك وقد كرر الرحلة ثماني عشرة مرة لهذا الغرض . وقد وردت أحاديث تشجع على العلم والحصول عليه والرحلة من أجله إلى أقصى المعمورة ولو كان بالصين . وهذا الصحابي أبو الدرداء يقول « لو أعيتني آية من كتاب اللّه فلم أجد أحدا يفتحها علي إلا في برك الغماد لرحلت إليه » « 2 » .
هامش
( 1 )Goldziher , E . T . I op . cit , p . 215 .( 2 ) ياقوت ، معجم البلدان ، ج 1 ، ص 590 ، ويعلق جولدزيهر على هذه الرواية بأنها قيلت بأخرة وليس في الوقت الذي ادعى روايتها عن أبي الدرداء . ولكنه لم يورد حجته في ذلك ، انظر كتابه المنوه عنه ، ص 219 .