ونحن نرى أن معرفة طرق تحمّل الأحاديث وصوره يبين لنا ذلك الاهتمام الكبير الذي أسبغه علماء المسلمين على صحة نقل ورواية الأحاديث النبوية من السلف إلى الخلف . وهو منهج صارم نفهم منه تحرز هؤلاء العلماء وحرصهم على نقل هذه الأحاديث بطريقة علمية خالية من الوضع والتدليس والتزوير . وأنه منهج علمي سلكه المحدثون في تدوين السنة ونقلها ، مبينين الشروط الواجب تحققها في كل منها توثيقا لتلك الطرق ، وضبطا لنقل الخبر ، والغريب أن جولدزيهر لم يتعرض لها لأنه لم يجد مطعنا عليها ولم يعتبرها من الطرق التي سلكها المسلمون للدفاع عن الأحاديث الصحيحة ومقاومة الأحاديث الموضوعة إلا فيما يتعلق « بالإجازة » في سياق حديثه عن طلب الحديث .
وطرق تحمّل الحديث هي نفس طرق أدائه فالشروط والصفات الواجب توافرها في تحمّل الحديث يجب أن تتوافر لدى من يؤديه . وأهم هذه الطرق السماع ، الذي هو أن يسمع المتحمّل من لفظ شيخه سواء أكان تحديثا منه أم إملاء من حفظه ، أو من كتابه ، وهو أرفع طرق النقل وأعلاها وأقواها ومن هذه الطريقة جاءت المصطلحات « حدثنا » و « أخبرنا » وهما عبارتان تدلان على معنى واحد كما تدخل في سياقهما عبارات « سمعت » ، و « قال لنا » و « ذكر لنا فلان » ، ومهما قيل في اختلاف هذه المصطلحات والغرض الذي يقال في كل واحدة فيه فإن معناها واحد ويراد به سماع الحديث من الراوي سواء أكان شفاها أو كتابة . ومنها : القراءة على الشيخ ، وأكثر المحدثين يسمونها عرضا ، لأن التلميذ يعرض على شيخه ما يقرأه ، والقراءة من الكتاب أفضل ، لأن العرض به أوثق وآمن . وهي تلي السماع في الدرجة وبعضهم يراها مساوية له .
ومنها : الإجازة ، وهي عبارة عن إذن الشيخ لتلميذه برواية مسموعاته أو مؤلفاته أو بعض منها ، ولو لم يسمعها منه ، ولم يقرأها عليه . ويعترض ابن حزم على هذه الطريقة في تحمّل الحديث ويراها « بدعة غير جائزة » . وتأتي الإجازة في المرتبة بعد السماع والقراءة . ومنها : المناولة ، والمقصود بها أن يعطي الشيخ تلميذه كتابا أو حديثا ، ليقوم بأدائه في روايته ، وهي إمّا أن تكون مناولة مقرونة بإجازة أو غير مقرونة بإجازة .
ومنها : المكاتبة وهي أن يكتب الشيخ إلى الطالب وهو حاضر أو غائب شيئا من حديثه بخطه ، أو يأمر غيره بأن يكتب له ذلك ، وهي إمّا أن تكون مقترنة بالإجازة أو أن تكون غير مقترنة بها . ولا شك أن المكاتبة مع الإجازة أقوى من المكاتبة وحدها ، بل يذهب بعضهم إلى ترجيح الكتابة المقرونة بالإجازة حتى على السماع نفسه . ومنها : الإعلام
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 534
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٥٣٤