وهكذا ردت عائشة على فهم أبي هريرة لهذين الحديثين وصححت رواياته لهما ، واستدركت على روايته وذلك بعرضها على القرآن الكريم ومخالفتها لآيات منه .
ونقدت السيدة عائشة رواية أبي هريرة للحديث : « يقطع الصلاة المرأة والحمار ، والكلب ، وبقي ذلك مثل مؤخرة الرجل » « 1 » . وقالت عائشة كيف تقطع المرأة الصلاة هل المرأة دابة سوء ؟ . لقد رأيتني بين يدي رسول اللّه معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي . وقالت في رواية أخرى : « بئسما عدلتمونا بالحمار والكلب » « 2 » .
وكما نقدت السيدة عائشة مرويات أبي هريرة ، فقد نقدت مرويات عمر منها : ما رواه عمر أن النبي نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب « 3 » . وعندما سمعت عائشة هذا الحديث قالت : أوهم عمر إنما نهي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها » « 4 » .
وقد نقد متن الحديث الخليفة عمر بن الخطاب في قضية طلاق فاطمة بنت قيس من زوجها أبي عمر بن حفص ، وقولهم لها لا نفقة لها ولا سكن ، فرد عمر هذه الرواية لمخالفتها لكتاب اللّه لقوله تعالى :
لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ
« 5 » .
ونقد الإمام علي متن الحديث في قضية بروع بنت واشق الأشجعية ورفض فتوى عبد اللّه بن مسعود حولها الذي قيل : إن قضاءه وافق قضاء الرسول في قضية مماثلة وقال : « لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب اللّه » « 6 » .
فإذا انتقلنا من عصر الصحابة إلى عصر علماء الحديث ، فإننا نرى اهتمام هؤلاء العلماء بمتن الحديث من خلال اهتمامهم بنقد حال الراوي أو المروي . وقد أشرنا إلى ذلك جزئيا ولكن علينا أن نشير إلى بعض الحالات التي ترينا أن الاهتمام بالسند قد انصب فعلا على الاهتمام بالمتن . ومثال ذلك اتهام الرواة بالوضع من أجل مروياته ،
هامش
( 1 ) مسلم ، صحيح مسلم ، ج 4 ، ص 228 .
( 2 ) سنن أبي داود ، رقم الحديث 710 - 714 .
( 3 ) صحيح مسلم ، ج 6 ، ص 118 .
( 4 ) سنن الترمذي ، ج 5 ، ص 72 .
( 5 ) النبأ ، بدائع السنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن ، ج 2 ، ص 327 .
( 6 ) الذهبي ، ميزان الاعتدال ، ج 4 ، ص 353 - 354 .