تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
يطلق الحكم بصحة حديث ما لجواز أن يكون فيه علة في متنه ، وقد جاءوا بشواهد كثيرة على ذلك . وعندما تحدثوا - أي العلماء - عن المقلوب قسّموه إلى قسمين مقلوب متنا ومقلوب إسنادا ، ومن هنا جاء تشددهم في أداء الحديث باللفظ الموجه أساسا إلى المتن ، حتى لا يكذب الناس على رسول اللّه ، خاصة إذا لحن الراوي زاعما أن خطأه من لفظ رسول اللّه فقد عدّوه متعمدا للكذب « 1 » . وخلاصة القول : إن المسلمين اهتموا بمتن الحديث عند دراستهم لسنده ، وقد اختلط النقد حتى أصبح القراء لا يفرقون بينهما فاعتقدوا أن النقد قد انصب على السند أكثر من انصبابه على المتن . وجولد زيهر الذي أكد في مناسبات عديدة في دراساته اهتمام المسلمين بسند الحديث أكثر من اهتمامهم بمتنه يعترف بأن النقد الخارجي للأحاديث يقود في بعض نقاطه إلى نقده داخليا . فعند التحقق من صدق الرواة المذكورين في الإسناد ينفرد أحيانا برواية الحديث رجل فلا يعرف متنه من غير روايته وهو ما يطلق عليه « بالمنكر » وبمعنى آخر فإن أسلوبه ومحتواه يدلان على وضعه « 2 » . تصدى المستشرق الإيطالي كايتاني إلى هذا الموضوع في كتابه « الحوليات الإسلامية » وفي حديثه عن الملاحظات النقدية عن القيمة التاريخية لأقدم ما روي عن السنة في شؤون الرسول . ذكر أن كل قصد المحدثين ينحصر ويتركز في واد جدب ممحل من سرد الأشخاص الذين نقلوا المروي ، ولا يشغل أحد نفسه بنقل العبارة والمتن نفسه ، لكنه استطرد في فقرة أخرى قائلا : « لكن إذا كان الإسناد كامل النظام ، محتويا أسماء حسنة ، استبعد كل اشتباه وسوء ظن » . ويعلل كايتاني عدم اهتمام العلماء بنقد المتن أكثر من اهتمامهم بسنده بأنهم - أي النقاد المسلمون - لا يجسرون على الاندفاع في التحليل النقدي للسنة إلى ما وراء الإسناد ، بل يمتنعون عن كل نقد للنص ، إذ يرونه احتقارا لمشهوري الصحابة ، وقحة ثقيلة الخطر على الكيان الإسلامي « 3 » .
هامش
( 1 ) د . صبحي الصالح ، علوم الحديث ، المرجع السابق ، ص 275 - 281 ، بتصرف كبير . ( 2 )Goldziher ; E . T . I , op , cit , pp : 185 - 186 .( 3 ) أمين الخولي ، في تعليق على رأي شاخت حول اهتمام المسلمين بسند الحديث أكثر من اهتمامهم بمتنه ، الموسوعة الإسلامية ، ج 2 ، هامش ص 279 .