تناقضه ، أو أن عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي ، أو أن الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه وهكذا . . . ولم تظفر منهم في هذا الباب بعشر معشار ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم ، حتى نرى البخاري نفسه على جليل قدره ، ودقيق بحثه ، يثبت أحاديث دلت الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة ، لاقتصاره على نقد الرجال « 1 » .
ويستطرد المرحوم أحمد أمين في موضع آخر من كتابه « ضحى الإسلام » قائلا :
إن المحدثين عنوا عناية فائقة بالنقد الخارجي ، ولم يعنوا هذه العناية بالنقد الداخلي ، فقد بلغوا الغاية في نقد الحديث من ناحية روايته جرحا وتعديلا . . . ولكنهم لم يتوسعوا كثيرا في النقد الداخلي ، فلم يعرضوا لمتن الحديث هل ينطبق على الواقع أم لا ؟ .
ويقول في موضع آخر من كتابه المنوه عنه : إنهم - أي علماء المسلمين - لو اتجهوا كثيرا لنقد المتن ، وأوغلوا فيه إيغالهم في النوع الأول ، لانكشفت أحاديث كثيرة وتبين وضعها ، مثل كثير من أحاديث الفضائل ، وهي أحاديث رويت في مدح الأشخاص ، والقبائل ، والأمم ، والأماكن ، تسابق المنتسبون إليها إلى الوضع فيها ، وشغلت حيزا من كتب الحديث « 2 » .
ثم يقتبس أحمد أمين قول « ابن خلدون » بالخصوص عندما ذكر « وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع ، لاعتمادهم على مجرد النقل ، غثّا أو سمينا ، ولم يعرضوها على أصولها ، ولا قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمعيار الحكمة ، والوقوف على طبائع الكائنات ، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار ، فضلوا عن الحق ، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط » « 3 » .
وفي معرض حديثه عن المحدثين يقول أحمد أمين : إنه يؤخذ عليهم - أي علي المحدثين - أنهم عنوا بالسند أكثر من عنايتهم بالمتن ، فقد يكون السند مدلسا تدليسا متفقا ، فيقبلونه ، مع أن العقل والواقع يأبيانه بل قد يعده بعض المحدثين صحيحا لأنهم لم يجدوا فيه جرحا ، ولم يسلم البخاري ولا مسلم من ذلك ، وربما لو امتحن الحديث بمحك أصول الإسلام لم يتفق معها وإن صح سنده « 4 » .
هامش
( 1 ) أحمد أمين ، فجر الإسلام ، المرجع السابق ، ص 217 - 218 .
( 2 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 2 ، ص 130 ، 132 .
( 3 ) ابن خلدون ، مقدمة ، ص 9 .
( 4 ) أحمد أمين ، ظهر الإسلام ج 2 ، ص 48 .