تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
سؤال سعيد الدارمي ليحيى بن معين حول صدق وعدالة جبير بن الحسن فأجابه يحيى : إنه « ليس بشيء » وعندما وجه نفس السؤال إلى أبي حاتم أجاب « لا أرى بحديثه بأسا » ووصفه النسائي بأنه ضعيف . وأحيانا يكون الحكم الصادر على الراوي غامضا حتى إن المصطلح المخترع من النقاد « أهل النقل » مرن بحيث يجنب إصدار حكم محدد . فهذا البخاري يصف الليث بن أبي سليمان بأنه « صادق وربما يهيم في الشيء » . ويصفه أحمد بن حنبل بأنه « لا يفرح بحديثه » . فأحيانا يرفع حديثه إلى الرسول ، وأحيانا في أحاديث مماثلة لا يصل برفعها إلى الرسول ومن هنا أطلق عليه « ضعيف » وهكذا لا يعرف إذا كان صادقا أو ضعيفا « 1 » . ونحن بعد أن استعرضنا لك آراء المستشرقين حول جهود علماء المسلمين في نقد الحديث من حيث سنده وردودنا على بعض النقاط التي نختلف فيها معهم نود - قبل التعرض إلى شبهاتهم حول إهمال المسلمين لنقد المتن - أن نؤكد أن المعايير الموضوعية التي وضعت لنقد الرواة وسلسلة الإسناد هي من القوة والتجانس بحيث تنفي عنها كل تناقض أو مرونة أو إهمال أو إصدار أحكام ذاتية . وبيان ذلك أن الشروط الواجب توافرها في الراوي الصادق العادل هي : التكليف ، فلا تقبل رواية الصبي والمجنون ، والإسلام ، فلا تقبل من الكافر يهوديا كان أو نصرانيّا أو غيرهما إجماعا . والعدالة ، وهي - كما قال الرازي في المحصول - هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى يحصل ثقة النفس بصدقه ويعتبر فيها الاجتناب عن الكبائر وعن بعض الصغائر « 2 » . والضبط ، أي لا بد من أن يكون الراوي ضابطا لما يرويه ليكون المروي له على ثقة منه في حفظه وقلة غلطه وسهوه ، فإن كان كثير الغلط والسهو ردت روايته إلّا فيما علم أنه لم يغلط فيه ولا سها عنه « 3 » . وضع العلماء - بالإضافة إلى الشروط السابقة - ضوابط لمعرفة دقة الراوي وتحريره وتثبته وعدم غفلته من أهمها : عرض روايته للحديث على رواية غيره من الثقات المعروفين بالحفظ والضبط والإتقان ، فإن كانت تلك الرواية موافقة ولو من حيث المعنى لرواية هؤلاء الثقات ، أو موافقة لها في الأغلب ، والمخالفة نادرة ، فهو
هامش
( 1 )Ibid , op , cit , pp : 184 - 185 .( 2 ) الشوكاني ، إرشاد الفحول ، المرجع السابق ، ص 53 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 54 .