تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
يقول جولد زيهر : إن الجهود التي بذلها علماء المسلمين في نقد الحديث لاستخراج صحيحه من موضوعه تبين لنا الحالة التي كانت عليها هذه الأحاديث من حيث وضعها وتزويرها وتدليسها . كما تبين لنا هذه المجهودات التي بذلت لتصحيحها وتنقيتها . ولكن الوضاعين نشروا هذه الأحاديث وأذاعوها في جميع الأقطار الإسلامية . ولم يقتصر أمر هؤلاء على وضع أسماء حقيقية في سلسلة الرواة ولكنهم وضعوا أيضا أسماء خيالية لإيهام السامعين بصحتها بل وتبدو أحيانا غريبة في نطقها كطرغال ، وطربال وكركدن « 1 » . ونظرا لتعدد هذه الحالات فإن نقد الرواة ذهب إلى أقصى مداه . وأعطى جولد زيهر مثالا على ذلك فتوى عبد اللّه بن مسعود حول قضية « بروع بنت واشق » - التي أشرنا إليها آنفا - وبعد إيراد للقصة بكاملها ، واستحقاق بروع لمهرها بالكامل بعد وفاة زوجها قبل الدخول بها وإن عليها العدة ، رأى أن الشافعي قد أفتى خلافها ، وأن عثمان بن سعيد الدارمي ( ت 280 ه ) - وهو تلميذ يحيى بن معين وأحمد بن حنبل - ادعى بأن اللّه لم يخلق مقيلا - زوج بروع - وأن بروع بنت واشق لم توجد أصلا . ويعلق جولد زيهر قائلا : إنه لمن الصعوبة بمكان نظرا لمضي الزمان التحقق من وجود « مقيل » أصلا وتصبح هذه القضية خيالا من تأليف الفقهاء . ولم يكن الدارمي وحده قد شك في وجود رجال ذكرهم التاريخ الإسلامي ، فهذا مالك بن أنس قبله بقرن من الزمان أعلن بشجاعة عن عدم وجود « أويس القرني » الذي وصف ب « سيد التابعين » وتوج بسلسلة من الأساطير الدينية « 2 » . وكانت نتيجة دراسات جولد زيهر حول نقد الحديث تتلخص في نقطتين أساسيتين أولاهما : اقتصار نقد الحديث على عدالة الرواة وصحة سلسلة الإسناد . وثانيهما : عدم الاهتمام بنقد متن الحديث . أي أن المسلمين اهتموا بالنقد الخارجي للحديث أكثر من اهتمامهم بالنقد الداخلي له . وإذا كان النقد الخارجي هو الأساس الذي تبنى عليه صحة الحديث من حيث متنه ، فهو يرى أن صحة سلسلة الإسناد تخضع عادة إلى المعايير الموضوعية . أما عدالة الراوي فإنها تخضع في العادة إلى المعايير الذاتية ، لأنه من النادر إجماع علماء المسلمين على صدق وعدالة أحد الرواة بل نرى تضاربا شديدا حوله . ومثال ذلك
هامش
( 1 ) أشار فيها جولد زيهر إلى كتاب ياقوت الحموي ، ج 3 ، ص 3 ، 357 و 178Goldziher , op , cit .( 2 ) ابن حجر ، ج 1 ، رقم 496 .Ibid , p . 180 .