قبل ونقل دون حرج تلك الأحاديث المروية عن المغني الغزلي « عروة بن أذينة » وربما قد فعل ذلك لتعاطفه مع مهنة الغناء التي زاولها في شبابه المبكر « 1 » . ولكن عندما وقعت الفتن وذاعت الأحاديث الموضوعة بكثرة اهتم الفقهاء بسلسلة الرواة ، وأصبح الحديث الصحيح معتمدا على صحة سلسلة الرواة . وولد هذا النقد على أيدي ابن عون ( ت 150 ه ) وعبد اللّه بن المبارك ( ت 181 ه ) وآخرين من معاصريهم . وكان هؤلاء النقاد قساة جدا في ما يتعلق بنقل الأحاديث المذاعة في الكوفة لأن كثرة الوضع بها بعد اشتداد الفتن أدّى إلى إعطاء فكرة سيئة عن العراق كمركز من مراكز العلم والرواية في العالم الإسلامي .
ونحن نرى أن الاهتمام بالإسناد ، ودراسة « الرجال » الناقلين له ، قد بدأ منذ زمن مبكر . بل إنه ابتدأ بعد الفتنة التي أدت إلى اغتيال الخليفة « عثمان » فظهرت الأهواء السياسية المتعارضة التي أخذت تضع الأحاديث لتدعيم مراكزها وأفكارها الأمر الذي حدا بالعلماء إلى التثبت من مصادر الرواة والسؤال عن الرجال الذين اشتركوا في نقلها . لكن الصحابة لم يطبقوا هذا المنهج النقدي في بداية أمره بكثرة لأنهم لم يلتزموا ذكر إسناد الحديث عندما لا يكون الصحابي قد سمع الحديث من النبي مباشرة ، ولأنهم كانوا يثقون بصدق بعضهم بعضا . وقد كان السؤال عن الإسناد في جيل التابعين غير مرغوب فيه هو الآخر فعند ما سأل أحدهم الحسن البصري عن إسناد مراسيله قال : واللّه ما كذبنا ولا كذّبنا « 2 » . إلّا أنه بعد جيل الصحابة وكبار التابعين أصبح التشديد على الإسناد والإلحاح في طلبه ضرورة حتمية أملتها كثرة الوضع واتساع نطاقه بسبب ظهور الأحزاب السياسية . وقال ابن سيرين في هذا الصدد : إن الناس لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا سمّوا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم « 3 » .
أنكر « شاخت » ما نسب من قول إلى ابن سيرين واعتبره موضوعا عليه ، ورأى أنه قد توفي سنة 110 هجرية بينما هاجت الفتنة سنة 126 هجرية عندما اضطرب أمر بني مروان وكانت الفتنة تلك التي أدت إلى مقتل الوليد بن يزيد وليست الفتنة التي وقعت
هامش
( 1 )Ibid , p . 173 .( 2 ) العمري ، المرجع السابق ، ص 47 .
( 3 ) مسلم ، الصحيح ، ج 1 ، ص 15 .