تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
هكذا نجد أنفسنا أمام آراء متغايرة فهذا جولد زيهر وشيعته يرون أن هذا الحديث وأمثاله موضوعة بأخرة كإجراء قام به المسلمون لمكافحة الوضع في الأحاديث التي كثرت بعد الفتن والحروب الأهلية الإسلامية . وآخرون يرون عكس ذلك ، وينفون عن الصحابة أي كذب عن الرسول لأنهم أسمى بكثير من أن يخوضوا في الكذب والوضع ، ويرون أنه ما دام الصحابة قد سمعوا هذا الحديث الذي يصوّر مصير الكاذبين عليه فإنه لا يعقل أن يخالفوه ويفتروا عليه الأقاويل . ولكن إذا لم يكن هناك وضع أو تحريف لأحاديث الرسول فلما ذا أذاع فيهم النبي هذا الحديث ؟ . ولما ذا اختلف في رواية هذا الحديث سندا ومتنا ؟ . ولما ذا لم تتضمن الروايات القديمة لهذا الحديث لفظة « متعمدا » ؟ وهل يجب علينا أن نخالف رأي جولد زيهر وشيعته ونذهب مع من يرى أن الحديث المذكور إنما قاله الرسول حينما أمرهم بتبليغ حديثه إلى من بعدهم ، ولم يقله بشأن واقعة كذب حصلت عليه إبان حياته ؟ إن إصدار حكم شخصي على هذه الواقعة أمر عسير ، وقد استعرضنا لك رأي الطرفين ونترك لك أيها القارئ لوحدك إصدار الحكم الذي تراه مناسبا فيها . أمّا نحن فنقول : إنه إذا صح هذا الحديث فلا بد من أن يكون أحدهم قد كذب على النبي حال حياته أو نقل عنه خبرا محرفا أو مزورا فقال ما قال لقطع دابر كل كذاب أثيم . وإذا وافقنا على رأي جولد زيهر فإننا لا نعدو الصواب كثيرا لأن هناك العديد من علماء المسلمين من وضعوا أحاديث ترهيب عن الرسول لمكافحة الأحاديث الموضوعة عندما قالوا نحن نكذب له لا عليه . ولكن جولد زيهر يجانبه الصواب لا محالة عندما يتحدث في نفس السياق تحت عنوان « رد الفعل ضد وضع الأحاديث » قائلا : إن هناك مسلمين تقدميين لا يرون غير القرآن بديلا في تقرير الأحكام ويرفضون أي مصدر آخر بجانبه سواء أكان حديثا أو سنة أو غيره بحيث يصبح في مرتبة القرآن لاستنباط الأحكام ، وهنا نجد أنفسنا أمام وجهتي نظر متعارضتين إحداهما ترفض السنة كأصل من أصول التشريع والأخرى تراها كذلك ، وقد استندت الأخيرة إلى الحديث المروي عن الرسول « لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ويقول : هذا كتاب اللّه ما فيه من حلال أحللناه ، وما فيه من حرام حرمناه ، ألا وإن ما حرم رسول اللّه مثل الذي حرّم اللّه » « 1 » . ويستنتج جولد زيهر من ذلك وضع
هامش
( 1 ) الترمذي ، ج 2 ، ص 111 ذكره جولد زيهر في كتابه المشار إليه ص 176 ، هامش رقم ( 2 ) .