تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩

المبحث الخامس المستشرقون ونقد الحديث

كان من نتيجة وضع الأحاديث وتدليسها وتزويرها أن شمّر العلماء عن ساعد الجد لنقدها وتبين صحيحها من موضوعها . وكان هذا الاهتمام مبكرا منذ عصر الصحابة الذين وقفوا جهودهم على نقد السند ، فبحثوا في الرواة من حيث عدالتهم وضبطهم وتكلموا فيهم تعديلا وتجريحا وتوثيقا وتضعيفا . وعندما بدأت تتعدد حلقات الإسناد ، بحث فيه العلماء من حيث الاتصال والانقطاع خشية أن يكون قد سقط اسم أحد الرواة من الإسناد وهو غير مرض في العدالة أو الضبط . ولم يهتم المسلمون بنقد الحديث من حيث سنده فقط ولكنهم نقدوه من حيث متنه أيضا ، فوضعوا قواعد محددة للتثبت من ذلك كألّا يكون الحديث ركيك اللفظ ، أو مخالفا لبديهيات العقول أو مخالفا للقواعد العامة في الحكم والأخلاق ، أو مخالفا للحس والمشاهدة أو داعيا إلى رذيلة ، أو مخالفا للمعقول في أصول العقيدة من صفات اللّه ، أو مخالفا لسنة اللّه في الكون والإنسان ، أو غيرها من القواعد التي سنتعرض لها مستقبلا . إن اهتمام علماء المسلمين بنقد الحديث لم يظهر في عصور الإسلام المتأخرة كما ذهب المستشرقون إلى ذلك ولكنه بدأ في فترة مبكرة منذ عصر الصحابة الأوائل ، لأن الأحاديث وضعت هي الأخرى في زمن مبكر ، وخشي الصالحون كثرة وضع الأحاديث فانبروا للدفاع عن الأحاديث الصحيحة ، وطرح الموضوع منها . وقد قيل للإمام المبارك : ما شأن هذه الأحاديث الموضوعة ؟ فقال : تعيش لها الجهابذة
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
قرآن « 1 » . وعنى ابن المبارك من مقولته قيام العلماء بغربلة الأحاديث لمعرفة صحيحها من موضوعها سالكين في ذلك مناهج علمية قل نظيرها . وقد أدى هذا العمل إلى خلق « المنهج النقلي » الذي سيطر على الحياة العلمية العالمية أحقابا طويلة . واستخدمه الغربيون بعد أن نسبوه زورا إلى علمائهم . ولعل من نافلة القول الإشارة إلى أهم القواعد التي يتمكن الباحث من خلالها من معرفة صحيح الحديث من موضوعه وهي : اعتراف الواضع بنفسه باختلاق
هامش
( 1 ) د . صبحي الصالح ، علوم الحديث ، المرجع السابق ، ص 263 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 509 | ساسي سالم الحاج