المحدثين الذين اقتصروا لترادف الحديث والخبر لاحظوا - إلى جانب المدلول اللغوي المتماثل بين اللفظين - أن الرواة لم يكتفوا بنقل المرفوع إلى النبي ، بل عنوا معه بنقل الموقوف على الصحابي والمقطوع على التابعي : فقد رووا إذا ما جاء عن النبي وما جاء عن غيره ، والرواية أخبار هنا وهناك ، فلا ضير من تسمية الحديث خبرا والخبر حديثا « 1 » .
لم يقتصر وضع الحديث على الأسباب الآنف بيانها ولكن العصبية القبلية ، والعصبية للمدن والجنس قد لعبت دورها هي الأخرى في هذا الوضع ، ولم تتأخر الأغراض الخاصة في وضع أحاديث لتحقيق أغراض معينة لبعض قليلي التقوى من الناس فوضعوا أحاديث تقربهم من الحكام ، وتندد بمعلمي الصبيان ، ولإظهار العلم والبراعة في العلوم ، ولنصرة المذاهب الفقهية ، ونصرة الفرق الكلامية المتعددة كالقدرية والمرجئة والجهمية والمشبهة والمعتزلة . وهذه الفرق اشتهر عن بعضها استخدام العقل فأساءت استخدامه عندما ساندت أفكارها بأحاديث موضوعة لدعمها .
بل إن بعض هذه الفرق وقد تضلعت من المنطق والحوار والجدل العقلي اتخذت من التناقض الظاهري في بعض الأحاديث وسيلة للتشنيع على أهل الحديث وانتقادهم ، كما وضعت أحاديث لدعم آرائهم .
ونحن وإن تعرضنا إلى أسباب وضع الأحاديث طبقا لآراء المستشرقين فإننا نستنتج أن هذه الآراء ليست جديدة على علماء المسلمين منذ القدم فألفوا الكتب وصنفوا المصنفات للرد عليها وتسفيهها . ولم يقم المستشرقون بإضافة أشياء جديدة حولها ، اللهم إلا ترديدها ، والإشارة إلى الأمثلة والروايات الشاذة فيها . وفرض الفروض ومحاولة البرهنة عليها تعسفا وعنتا . الأمر الذي يجعلنا في حل من الرد عليها مطولا إلّا ما سبق أن بيّناه عقب كل فقرة إذا اقتضى الحال ذلك .
ولكن السؤال المطروح هو : ما المجهود الذي قام به علماء المسلمين لمقاومة هذا الوضع ؟ . وكيف نظر المستشرقون إلى نقد الحديث من حيث سنده ومتنه ؟ . . هذا ما سنعالجه في المبحث المقبل .
هامش
( 1 ) د . صبحي الصالح ، علوم الحديث والمرجع السابق ، ص 10 .