خاصة من يطلق عليهم « المعمّرون » الذين يدعون بأنهم يرفعون أحاديثهم إلى الرسول مباشرة طالما كانوا قد عمروا دهرا طويلا . فكان لادعاءاتهم هذه نوع من الصدقية طالما كانوا يروّجون لسامعيهم من أنه نظرا لطول أعمارهم فقد استقوا أحاديثهم مباشرة من الرسول أو الصحابة الأوائل . وكان هؤلاء يخترعون سلسلة الرواة اختراعا ، ويوهمون السامعين بصدقها ، بل إنهم يوهمون سامعيهم بأنهم من صحابة رسول اللّه طالما طال بهم العمر إلى هذا الأمد البعيد العريض وبذلك فهم ليسوا في حاجة إلى الإسناد وغالبا ما كانوا ينجحون في ادعاءاتهم وينجون من نقد سلسلة الرواة الصارمة « 1 » .
وهؤلاء المعمرون لم يظهروا في العصر الإسلامي فحسب ولكنهم وجدوا في العصر الجاهلي أيضا ، فيحكى أن الشاعر الجاهلي زهير بن عتاب عاش 340 سنة وأن جده عمّر 650 سنة . وأن دريد بن الصمة أحد أبطال قصة عنترة عاش 450 سنة هو الآخر وعمّر حتى أدرك النبي .
هكذا دخل في عقول العامة وجود هؤلاء المعمرين الذين عاشوا في الأيام الأولى للإسلام وأصبحوا رواة للحديث عن الرسول مباشرة . وقد انتشر هذا الاقتناع الشعبي حتى اعتقدت العامة بوجود هؤلاء الأقوام في القرن الثالث الهجري ، وإنهم نظرا لطول أعمارهم وإدراكهم للرسول وصحابته الأوائل فإنهم ليسوا محتاجين إلى سلسلة الرواة للتأكد من صحة الأحاديث التي ينقلونها . فهذا عثمان بن الخطاب الذي أطلق عليه « ابن أبي الدنيا » ( ت 327 ه ) قد ادعى أنه التقى شخصيا « بعلي » . ووضع أحاديث انتشرت عن طريق رواة كثيرين . وظهر في الأندلس معمر آخر يدعى منصور بن حزام يدعي أن أباه كان حاضرا في عهد الرسول وكان من صحابته ، وأنه كان شخصيا يعرف عائشة وعثمان عندما كان طفلا صغيرا . وقد ذهب أحد معاصريه إلى أبعد من ذلك - وهو جعفر بن نسطور الرومي - حينما ادعى أنه كان مرافقا للنبي في غزوة تبوك ، وأنه عندما سقط كرباج الرسول نزل من فرسه فالتقطه وأعطاه إياه فدعا له النبي ب « طول العمر » وبناء على هذا الدعاء يقول هذا المعمر : إنه بلغ 350 سنة من عمره ولا يزال على قيد الحياة « 2 » .
ظهر هؤلاء المعمرون في آسيا الوسطى أيضا منهم الأمير « سرباتاك » الذي قيل
هامش
( 1 )Goldziher , op . cit , p . 209 .( 2 )Ibid , p . 211 .