الجنة زعم أن اللّه يبوئ وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء فيه سبعون مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف قبة في كل قبة سبعون ألف كذا . . كأنه يرى ألا يجوز أن لا يكون العدد فوق السبعين ولا دونها « 1 » .
تعرض العلماء كما أسلفنا إلى القاصين وفضحوهم في أماكن تجمعاتهم ، وشنعوا عليهم أفعالهم ، ومما قيل في هذا الصدد أن الأعمش ( ت 148 ه ) دخل مسجد البصرة فنظر إلى قاص يقول حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي وائل ، فتوسط الأعمش الحلقة وأخذ ينتف شعر إبطه فقال له القاص : ألا تستحي نحن في علم وأنت تفعل مثل هذا ؟ فقال الأعمش : الذي أنا فيه خير من الذي أنت فيه . قال : وكيف ؟
قال : لأني في سنة وأنت في كذب ، أنا الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئا « 2 » .
لم يكن القاصون وحدهم هم الذين وضعوا الأحاديث المزورة ، ولكن هناك الزنادقة الذين آمنت ألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم بالإسلام ، فوضعوا أحاديث غريبة وكثيرة عن الرسول ، خاصة أولئك الذين فتحت بلدانهم ، فلم يتمكنوا من مقاومة الإسلام بالسيف فقاوموه بالقلم والتدليس ، قاصدين من ذلك إبعاد الناس عن الإسلام ، فصوروا عقائده وعباداته وأفكاره في أبشع صورة . وكان منهم من يفحش في الكذب والافتراء على الرسول ، فهذا ابن أبي العواء اعترف قبل أن تضرب عنقه بأنه وضع أربعة آلاف حديث حرّم فيها الحلال ، وأحل فيها الحرام « 3 » ، وهذا حماد بن يزيد يقول « وضعت الزنادقة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اثني عشر ألف حديث ، بثوها في الناس » « 4 » .
كان بعض الزنادقة يعترف بوضعه الحديث بإصرار وتحد وبعضهم الآخر يعترف بذنبه بعد توبته وندمه ، قال ابن لهيعة « دخلت على شيخ وهو يبكي فقلت له ما يبكيك ؟
قال : وضعت أربعمائة حديث أدخلتها في برنامج الناس فلا أدري كيف أصنع ؟ » « 5 » .
هناك دجالون آخرون - كما يقول جولدزيهر - وضعوا الكثير من الأحاديث
هامش
( 1 ) ابن قتيبة ، تأويل مختلف الأحاديث ، ص 355 - 357 .
( 2 ) السيوطي ، تحذير الخواص ، ص 49 ، ذكره العمري في كتابه بحوث في تاريخ السنة ، المرجع السابق ، ص 35 .
( 3 ) الذهبي ، ميزان الاعتدال ، ج 2 ، ص 144 .
( 4 ) ابن الجوزي ، الأحاديث الموضوعة ، ج 1 ، ص 4 .
( 5 ) المرجع السابق ، ج 1 / 7 ب ، ذكره العمري في المرجع السابق ، ص 32 .