تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
طوله كذا وعرضه كذا . وحصل أن مر عليه الشاعر « بشار بن برد » فصاح فيه « تبا لهذا القصر في شهر كانون الثاني » « 1 » . كان أولئك القاصون يخترعون سلسلة من الرواة فيرفعون الحديث بوساطتها إلى الرسول وكانت العامة تصدق هذه الأحاديث ، وتعتقد صحة إسنادها . فقد روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر الطيالسي قال : « صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة ، فقام بين أيديهم قاص فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا : حدثنا عبد الرازق عن معمر عن قتادة عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من قال لا إله إلّا اللّه خلق اللّه من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب ، وريشه من مرجان . وأخذ في قصته نحوا من عشرين ورقة ، فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين ، وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد وكلاهما مندهش . فقال له : حدثته بهذا ؟ . فيقول : واللّه ما سمعت هذا إلا الساعة ، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات ، ثم قعد ينتظر بقيتها أشار له يحيى بن معين بيده : تعال . فجاء متوهما لنوال ، فقال له يحيى : من حدثك بهذا الحديث ؟ فقال : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين . قال : أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال : لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ، ما تحققت هذا إلا الساعة . كأن ليس فيها يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين . فوضع أحمد كمّه على وجهه ، وقال : دعه يقم فقام كالمستهزئ بهما « 2 » . هكذا ساهم القاصون في وضع الحديث . وكانوا من المبالغين في اختراع الحوادث الغريبة وإسنادها بأحاديث موضوعة ليوفروا مادة مشوقة للسامعين الذين هم غالبا من عامة الناس التي تتشوق إلى هذه القصص التي تتحدث عن الكرم والبطولة والنخوة ووصف الجنة وملذاتها ووصف النار وأهوالها . فانتشر الوضع من هذا الطريق حتى حذّر منه العلماء وحاربوه بجميع السبل والوسائل . وذكر ابن قتيبة أن القاصين على قديم الزمان كانوا يميلون وجوه العامة إليهم ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغريب والأكاذيب من الحديث ، وكان من شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجبا خارجا عن فطر العقول أو رقيقا يحزن القلوب ويستغزر العيون فإذا ذكر
هامش
( 1 ) عن الأغاني ج 3 ، ص 30Ibid , p . 198 .( 2 ) ذكره صبحي الصالح في علوم الحديث ص 269 .