تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
المدونة وتركوا مجالس القاصين . فضعف أمر هذا الفن ، وفقد صفته الأدبية الراقية حتى ابتذل وانصرف عنه الناس « 1 » . وتروي الأخبار أن أول من قصّ القصص في مسجد رسول اللّه كان تميم الداري ، وقد استأذن عمر أن يقص للناس فأبى عليه ، حتى كان آخر ولايته فأذن له أن يذكر الناس في يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر . ثم استأذن تميم عثمان فأذن له أن يذكّر الناس يومين في الجمعة ، وهو نصراني من اليمن ، أسلم سنة تسع للهجرة وذكر للنبي قصة الجساسة والدجال « 2 » . ازدهر هذا النوع من الفن لأن العامة تستسيغه وتتشوق إليه فيجلس القاص في المسجد ، ويذكر له الروايات والأساطير الخيالية عن الأيام الخوالي ، ويعتمد في ذلك على الترغيب والترهيب دون اعتماده على الصدق فيما يرويه . وبعد اندلاع الصراع السياسي بين المسلمين اتخذت الأحزاب السياسية المناوئة القصص لترويج أفكارها ، ودعم نظرياتها ، والدعوة إلى مبادئها . واشتهر من القاصين في الصدر الأول للإسلام بالإضافة إلى تميم الداري وهب بن منبه ، فروّج قصصا وأساطير تتعلق بأخبار الأولين وقصص الأنبياء السابقين ، واشتهر بهذا اللون من الفن « كعب الأحبار » الذي سرّب معظم الإسرائيليات إلى التفاسير والعلوم الإسلامية . كان الحسن البصري يقص على الناس في المساجد قصصا وأحاديث يعتمد فيها على الوعظ والإرشاد والتذكير بالآخرة ، فكان يجلس في مسجد بالبصرة وحوله الناس يسألونه عن الفقه وحوادث الفتن التي حصلت في عهده ، ويحدثهم بما صحّ عنده من حديث « 3 » . استمد القصص قوته وثروته من مصادر مختلفة أهمها مصدر عربي وهو القرآن وما يتصل به من الأحاديث والروايات ، وما كانت تتحدث به العرب عن أيامها وأمجادها وأساطيرها ، وهناك مصدر يهودي نصراني ، وهو الذي روّجه اليهود والنصارى الذين اعتنقوا الإسلام وأدخلوا فيه الكثير من الإسرائيليات والنصرانيات ، وهم الذين وضعوا الكثير من الأحاديث ودلسوها على الرسول بحسن نية أو بسوئها .
هامش
( 1 ) طه حسين ، الأدب الجاهلي ، المرجع السابق ، ص 158 . ( 2 ) أحمد أمين ، فجر الإسلام ، المرجع السابق ، ص 159 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 161 .