تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
الأحاديث قد وضعت منذ القرن الأول الهجري ، وهي تبين العلاقة بين النظام السياسي القائم وبين بعض الفقهاء الذين حاولوا تطويع الأحاديث لخدمة هذه القوى السياسية . وبجانب ذلك فإن بعض خلفاء بني العباس قد اضطهدوا ممثلي هذا المذهب ونددوا بتصرفاتهم تجاه السلطة الحاكمة الأموية التي حاولوا أن يضفوا عليها الشرعية والطاعة باختراع الأحاديث المزورة ، وطلبوا منهم تطوير المبادئ وتطويع الأحاديث في عصرهم كي تتفق والمصلحة العامة . وهذه المبادئ الجديدة هي التي هيأت لظهور « الإجماع » الذي أكد بموجبه عدم أحقية أي أحد في الخروج على الحاكم المعترف به من قبل الأمة الإسلامية حتى وإن كان قد فقد من الناحية الدينية الصفات الواجب توفرها فيه « 1 » . لا يبتغي الإسلام التقليدي ترسيخ مفهوم وراثة الخلافة في ضمير الناس ، إلا أن الأسرة العباسية قد حظيت بشرعية دينية واضحة ، وقد ساندها في ذلك الاتجاه الديني في الجماعة الإسلامية . ولكن هذه الشرعية لا تستند إلى أن هؤلاء الأمراء يمثلون الشرعية في حد ذاتها وراثة ، ولكنهم يتمتعون بهذه الصفة لإجماع الأمة عليهم . وطبقا للمذهب التقليدي الإسلامي فإن الإجماع فقط هو الذي يضفي صفة الشرعية على الحاكم . فالإمام الشرعي هو ذلك الإمام المجمع عليه ، والإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيها . وهذا هو المبدأ الذي واجه به السلطة العباسية من يعتقد في شرعية الخلافة في علي وبنيه . وهكذا أصبح الإجماع هو المعيار المطلق لشرعية النظام السياسي الإسلامي طالما كان المسلمون الأتقياء لا يريدون أن يصبغوا حكم الخلفاء الراشدين الثلاثة وحكام بني أمية بعدم الشرعية وبعدم الاستمرارية القانونية للدولة الإسلامية منذ القرن الأول الهجري ، وهو الأمر الذي حاول فيه هذا المذهب الإسلامي التقليدي تجنبه قدر الإمكان . وهكذا وجد الفقهاء مبررا قانونيا لشرعية نظم الحكم السابقة على العصر العباسي ، ووضعت أحاديث تشير إلى تتالي الخلافة من أبي بكر إلى عمر إلى عثمان « 2 » . وهكذا أصبحت الثورة والخروج على النظام الحاكم مهما كانت مبرراته واستناده
هامش
( 1 ) البخاري ، كتاب الديات ، رقم ( 2 ) ذكره جولد زيهر في ص 116 ، هامش رقم ( 1 ) . والترجمة من عندنا . ( 2 )Goldziher , op . cit , p . 118 .