تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
الشيعة في الإمام هي التاريخ الحقيقي لنشأة هذه الفرقة ، كذلك كانت نشأة المرجئة نشأة سياسية ارتبطت بقضايا السياسة ، سواء منها ما اتصل بالخلافة مباشرة أو ما تعلق بموقف الدولة الأموية من الشعوب غير العربية التي دخلت في الإسلام . وترى المرجئة أنّه طالما كان الأمويون مؤمنين ولكنهم لا يطبقون الشريعة كما ينبغي ، فإنهم لا يستحقون في الوقت ذاته رفض الطاعة لهم والخروج على ولايتهم ، ولا يصنفون إلا نظيرا بأنهم غير مؤمنين . والمرجئة لا يهتمون بالتطبيق العملي للأمويين لأمور الشريعة ، ومن هنا كانوا لا ينددون بتصرفات حكّامهم القاسية تجاه الأتقياء الذين يرفضون طاعتهم وسلطانهم « 1 » . ونحن نرى أن الإرجاء يعني فك الارتباط بين العمل والإيمان . فلا تقف صحة الإيمان على الأعمال التي تعرب عنه وتدل عليه ، فلا تنفع مع الكفر طاعة ولا تضر مع الإيمان معصية . وعلى المسلم أن يرجئ الحكم على من لا يقرن الإيمان بالعمل إلى يوم القيامة ليفصل فيه اللّه طبقا لما يراه . نشأ الإرجاء في عهد بني أمية ، وأول من قال به هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ، فهو أول من قال بالإرجاء وكتب بذلك كتابا كان يقرأ نيابة عنه في الأمصار « 2 » . وتدل كتب المؤرخين على أن « الإرجاء » الذي أظهره الحسن بن محمد كان ذا طابع سياسي ، نادى فيه بالتمييز ما بين قضايا العقيدة واستخدام أحكام الكفر والإيمان وما بين قضايا السياسة والإمامة بالذات « 3 » . وتذكر كتب الفرق الإسلامية أن أول من قال بالإرجاء المحض معاوية وعمرو بن العاص ، كانا يزعمان أنه لا يضر مع الأيمان معصية ، ولذلك قال معاوية لمن قال له : حاربت من تعلم وارتكبت ما تعلم . . فقال : وثقت بقول اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
« 4 » .
هامش
( 1 )Ibid , p . 109 .( 2 ) أ - ابن حزم ، الفصل في الملل والأهواء والنحل ، ج 4 ، ص 204 . ب - المقريزي ، خطط المقريزي ، ج 3 ، ص 292 . ( 3 ) د . محمد عمارة ، الخلافة ونشأة الأحزاب السياسية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط 1 ، 1977 م ، ص 168 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 174 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 492 | ساسي سالم الحاج