فالإرجاء يعني الفصل بين الإيمان والعمل « 1 » ، وقد استخدم سياسة لتبرير أفعال بني أمية وعدم تصنيفهم من ضمن الكفار ما داموا مؤمنين ولا يضيرهم عملهم في إطلاق صفة الكفر عليهم ، لأن ذلك أمر يرجأ النظر فيه إلى اللّه ليحكم فيه . وهو بذلك قد قصد من ورائه تبرير سياسة الحكومة القائمة مهما كان فعلها . وهكذا يرى جولد زيهر أن المرجئة يؤلفون حزبا مواليا للسلطة الأموية . ومعارضا لحزب « الجبل » أي لأولئك المعارضين لهذا الحكم بل ومبررا لكل حاكم يتصرف خلافا لقواعد الشريعة . وبين هذين التيارين المتعارضين نشأ حزب وسط استطاع أن يأخذ مكانه في الضمير العالمي للأمة الإسلامية ، وخلّفت مفاهيمه آثارا عديدة على الحديث . أهمها قيام الفقهاء بنشر مذهب مفاده لزوم الطاعة لمن يتولى مقاليد السلطة ليعم الأمن والنظام في الدولة خدمة لوحدة الإسلام والبعد به عن الفتن والشقاق مهما بلغ سوء الحكام « 2 » .
وضعت أحاديث عديدة تدعو إلى هذا المذهب الذي يسبغ الشرعية على أعمال الحكام مهما كانت تصرفاتهم المجافية للدين ، وتلزم المسلمين بطاعة أولياء أمورهم مهما كان ظلمهم وجورهم وجبروتهم ، فقدموا بذلك خدمات غير جليلة لهم . وبمقدار ما كان هذا الاتجاه يدعو إلى الطاعة والخضوع للحكام الشرعيين . فإنه يسبغ ذات الشرعية على أي نظام آخر يصل إلى السلطة عن طريق الانقلابات والثورات ما دام قد تجذّر واكتسب هذه الشرعية بعد نجاحه . وكأن الأمر لا يستدعي إلا تهدئة الضمير الديني الذي أصبح قلقا لدى الأتقياء الديماغوجيين والثوار ومدعي العروش . أما بقية الشعب فلا يهمه أن يرى فوق كرسي الخلافة زيدا أو عمرا « 3 » .
وضعت أحاديث عديدة لتبرير الطاعة لأولياء الأمور مهما كانت تصرفاتهم منها :
أن تساءل الرسول عن كيفية العمل عند اشتداد جور الحكام واستيلائهم على بيت المال فأجابه أحدهم : نحمل سيوفنا على إعتاقنا . . الخ فأجابه الرسول أطع « الحاكم » برّا كان أو فاجرا . . الخ « 4 » . ومنها : « من أهان سلطان اللّه في الأرض فقد أهان اللّه » « 5 » .
هامش
( 1 ) المرجع السابق .
( 2 )Goldziher , op . cit , p . 112 .( 3 )Ibid , p . 112 .( 4 ) أبو داود ج 1 ، ص 252 ، ذكره جولد زيهر في كتابه المنوه عنه ، ص 114 ، هامش رقم 3 والترجمة من عندنا .
( 5 ) الترمذي ، ج 11 ، ص 35 ذكره جولد زيهر ، ص 114 ، هامش رقم ( 5 ) .