تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
حاول كل فريق وحزب أن يضع الحديث لتقوية مركزه ، وإضفاء الشرعية على تصرفاته ومعتقداته . ومن هنا كثر الوضع في الحديث عندما لم تسعف هذه الفرق النصوص القرآنية للدفاع عن معتقداتها وإضفاء الشرعية على عقائدها . فوضع الشيعة أحاديث في فضل علي والطعن على معاوية . ووضع خصومهم أحاديث في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ردا على من ينتقص منهم . وهكذا أصبحت هذه الأحاديث الموضوعة تعكس الصراع الفكري والسياسي بين الأحزاب المختلفة . عالج « جولد زيهر » هذا الموضوع باستفاضة وعمق في كتابه المنوه عنه « دراسات إسلامية » ودرس هذا الموضوع في إطار تاريخ الحضارات ، واعتبر أن دراسة الحديث لا تكمن في أهميته من الناحية التشريعية بمقدار ما تكمن في إيضاح ما ينكشف من ورائها من صراع سياسي طبقا للظروف السياسية التي مرّ بها الإسلام منذ عصوره الأولى . قدّم « جولد زيهر » العديد من الأحاديث التي رآها قد وضعت لخدمة أهداف سياسية صرفة . منها ما يحثّ على وجوب الطاعة لأولياء الأمر وعدم الخروج عليهم مهما كانت تصرفاتهم المنافية للدين باعتبار طاعة الخلفاء هي طاعة اللّه . وكان السؤال المطروح في الدوائر الدينيّة إبّان العصر الأموي : كيف يتصرف المسلم التقي أمام تصرفات الولاة الأمويين البعيدة عن روح الدين الإسلامي ونصوصه كالحجاج بن يوسف وخالد القسري وغيرهما ؟ . كانت هذه القضية من أهم المشاكل المطروحة أمام الدوائر الدينية في ذلك العصر . فكان الأتقياء يرون عدم شرعية هذا النظام فحاربوه سلبا وأحيانا إيجابا ، وكانوا يرون أن مقاومة هؤلاء الحكام واجب ديني لا محيص منه ويشاركون آراء الخوارج فيه . ولكنهم يختلفون عن الخوارج لأنهم يعتقدون شرعية خلافة عليّ وخلفائه المحتملين . وكانوا في لحظات حياتهم الأخيرة ينطقون بالشهادة ويعترفون بأن الحجاج لا يمكن اعتباره من بين المؤمنين « 1 » . وفي مواجهة هذا التيار المعارض للسلطة الأموية نشأ تيار فكري مخلص لهذا النظام وموال له أطلق عليه اسم « المرجئة » . وكما نشأ الخوارج نشأة سياسية في الصراع على السلطة ، وكما كانت عقيدة
هامش
( 1 )Goldziher , E . T . I . op . cit , p . 108 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 491 | ساسي سالم الحاج