المبحث الرابع المستشرقون وأسباب وضع الحديث
رأينا في مباحث سابقة أهمية الحديث في الحياة الإسلامية ، وبيّنا اهتمام الصحابة والتابعين بجمعه وحفظه في صدورهم ، ورأينا أن المسلمين الأوائل اهتموا بصورة خاصة بتفاصيل حياة النبي وأقواله وأفعاله وتقريراته وشمائله وسيرته لأنهم مأمورون بالاقتداء به في حياتهم العامة والخاصة . ونوهنا بأهمية الحديث باعتباره المصدر النقلي الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن ، ولأنه يبين القرآن ، ويفصل في أحكامه المجملة ، ويقيد مطلقه ، ويخصص عامه ، ويقرر أحكاما جديدة لم ينص عليها . ومن هنا كان اهتمام المسلمين بحفظ الحديث وفهمه ، وتدوينه على مرّ العصور .
وكلما تطورت الحياة الإسلامية ، واتسعت الفتوحات ، واندلعت الفتن ، واختلط المسلمون بغيرهم من الأقوام ، استخدم الحديث للدفاع عن أحزاب سياسية متناحرة ، وطوّع لخدمة الشعوبية والزنادقة ، والتجأ إليه علماء الكلام والفلاسفة لتقوية حججهم العقلية والجدلية ، واستخدمه القاصون للتأثير على العامة مبالغين في وصف الثواب والعقاب وموفرين مادة مشوقة ومثيرة للسامعين الذين ينجذبون لهذه القصص المستندة إلى الأحاديث الموضوعة . بل شارك في الوضع بعض الصالحين لترغيب الناس في عمل الخير وزجرهم عن الشر وهذا من جهلهم ، وقلة معرفتهم ، وضيق أفقهم لأن الأحاديث الصحيحة تغني عن الموضوعة لمن أراد الترغيب والترهيب . ووضعت الأحاديث لتحقيق الأغراض الخاصة . ولدفاع المذاهب عن أفكارها ، وكان نتيجة هذا الوضع أن بذل العلماء الأتقياء مجهودا علميا رائعا لتصفية الأحاديث الصحيحة من الموضوعة ، فوضعوا معايير علمية صارمة انصبت على سند الحديث ومتنه لغربلته ومعرفة عدالة راويه وصدقه وانسجام متنه ، والقواعد العامة الموضوعة للتعرف إلى موضوعه من صحيحه .
درس المستشرقون أسباب وضع الأحاديث ، وتعمقوا في دراستها ، وأصّلوا دوافعها ، وأشاروا إلى مجهودات العلماء لتصحيحها ومعرفة موضوعها من مكذوبها ، ولكن تحليلاتهم هذه تمتاز بالكثير من الغمز واللمز ، وافتراض الفروض المتعسفة والأحكام المسبقة والإشارة إلى الحوادث الغامضة ، والتمثيل بالوقائع الضعيفة ، والركون إلى الروايات الشاذة حتى أتت تحليلاتهم في غاية من التحامل والتعسف ،