ونستنتج أخيرا من آراء جولد زيهر حول تطور الحديث في العصور الإسلامية الأولى النتائج الآتية :
أولا : إن الأحاديث النبوية عبارة عن انعكاس فعلي للتطور الإسلامي السياسي والاجتماعي والثقافي ، وبالتالي فإن معظم هذه الأحاديث موضوعة لمواكبة هذا التطور الذي حصل في جميع مناحي الحياة الإسلامية المختلفة .
ثانيا : يهتم المسلمون الأوائل بوضع أحاديث عن رسول اللّه كتلك التي تدعو إلى الترغيب والترهيب خاصة بعد اندلاع النزاع بين العلماء الأتقياء والسلطة الأموية الحاكمة التي يتهمها هي الأخرى بوضع الأحاديث التي تمجد سلطانها وتقلل من شأن خصومها .
ثالثا : إن المدارس الفقهية المختلفة قد وضعت الأحاديث لتدعيم مواقفها وقد شمل الوضع العبادات والمعاملات على حد سواء .
رابعا : قلة الأحاديث في العصر الإسلامي الأول وكثرتها في العصور المتأخرة لمواجهة المشاكل المستجدة في الأقطار المفتوحة ، وإيجاد حل لكل قضية استنادا إلى النصوص لتدعيم شرعيتها .
لقد حاولنا الرد على جميع الشبهات التي أوردها جولد زيهر وشاخت عن تطور الحديث في العصور الإسلامية المختلفة ، ووصلنا إلى نتائج علمية محددة فندنا فيها هذه الآراء التي لا تستند في معظمها إلى أدلة علمية سائغة . وأثبتنا أن الحديث لم يتطور بتطور الحياة الإسلامية ومستجداتها . ولكنه وجد منذ عهد الرسول ونقله الصحابة والتابعون وتحرّوا الدقة في نقله إلى الأجيال اللاحقة وبالتالي فهو ليس مرآة عاكسة للحياة الإسلامية بمقدار ما كان مرشدا وهاديا لها في الكثير من العبادات والمعاملات .
نعم لقد كثر الوضع في الأحاديث بغزارة لأسباب سياسية ، ومذهبية وشعوبية ، وعصبية وقصصية ، ولأغراض الترهيب والترغيب . ولكن هذا الوضع نشأ بعد اندلاع الصراع السياسي على السلطة بين المسلمين . فما رأي المستشرقين حول الحديث وصراع الأحزاب السياسية في الإسلام ؟ هذا ما سنبحثه في المبحث المقبل .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 488
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٤٨٨