خشية ما يروونه موضوعا عن الرسول ومختلفا عليه ، فكان أصحاب هذه المدرسة لا يتفقون على أمانة محدّث وصدقه .
إن معارضي مدرسة الرأي حمّلوها أكثر مما تحتمل عندما وصفوها بأنها لا تأخذ بالحديث . وهذا مناف للحقيقة العلمية المجردة . فنحن لو رجعنا إلى منهج رئيسها وهو الإمام أبو حنيفة لرأيناه يأخذ بكتاب اللّه ، فإن لم يجد فبسنّة رسول اللّه ، فإن لم يجد فيهما نصا يأخذ بقول من شاء من الصحابة ويدع قول من شاء إلى قول غيرهم فإذا انتهى إلى التابعين فيراهم أنهم أناس من أناس وهم رجال وهو من الرجال فيجتهد كما يجتهدون . وهذا المنهاج كما ترى لا يستبعد النصوص ولا ينبذها ولكنه يأخذ بها في الدرجة الأولى فإن لم يجد فيها شيئا يروي غليله انتقل إلى مصادر التشريع الأخرى .
كثر الكلام على أبي حنيفة لأنه أكثر من تفريع الفروع على الأصول ، وافترض حلولا لحوادث لم تقع وهي محل انتقاد الفقهاء الآخرين . والسبب في ذلك أنه كان يتشدد في قبول الأخبار ، ويشترط لذلك شروطا قاسية لكثرة انتشار وضع الأحاديث عن الرسول في زمانه ، ومن هنا فإنه ضيّق في استنباطه من الحديث وأكثر من استخدام القياس والرأي ولكنه لم يرفض الحديث جملة وتفصيلا ، وليس قليل البضاعة فيه كما يصفه معارضوه .
وبجانب مدرسة الرأي ظهرت مدرسة الحديث في المدينة واعتمدت على النصوص لا تحيد عنها إلا فيما ندر وعند الضرورة القصوى فقط . وكان زعماء هذه المدرسة ابن عباس ، والزبير ، وزيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن عمر ، وعبد اللّه بن عباس ، وغيرهم ، ثم اشتهر منها فقهاء آخرون مثل سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ، وعبيد اللّه بن عقبة بن مسعد ، وسليمان بن سيار ، وخارجة بن زيد بن ثابت ، وهم الذين أطلق عليهم فقهاء المدينة السبعة . وقد انتشرت هذه المدرسة في الحجاز لأنها موطن الرسول ، وموطن الصحابة الأوائل الذين رووا أحاديث كثيرة عن الرسول ، وقد كثر في هذا المصر الكثير من السنة وآثار الصحابة وكانت مجالا خصبا للدراسة والتداول والتمحيص فاعتمد الفقهاء على هذه الثروة العلمية الحديثة ولجأوا إليها في استنباط الأحكام الشرعية . كما أن هذه البيئة تمتاز بالبساطة في الحياة وعدم تعقيدها الأمر الذي لا يحتاج الفقهاء فيها إلى الكثير من الحلول للمشاكل المستجدة المطروحة عليهم .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 486
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٤٨٦