متضارب فأحيانا يفصل بينهما ، ويبين الفوارق التي تتميز كل واحدة عن غيرها وأحيانا يجمع بينهما ويستنتج في نهاية بحثه عنهما أن الخلاف بينهما نظري لأن مدرسة الحديث تعتمد على الرأي والمنطق بجانب اعتمادها على الحديث ، وأن مدرسة الرأي تحتاج إلى الحديث لتدعيم رأيها المبني على النظر والتأمل والتفكير . وهذا الموضوع وإن كان هو الآخر سيكون مكانه في الفصل الخاص بدراسة الفقه ، إلّا أن المنهجية تتطلب منّا بيان هاتين المدرستين توضيحا للإبهام الذي أضفاه جولد زيهر عليهما .
رأينا آنفا أن الصحابة وهم يجتهدون في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية فإنهم يستخدمون قرائحهم وعقولهم لاستنباط تلك الأحكام من النصوص النقلية . وهذا الاستنباط يختلف من فقيه إلى آخر فمنهم من يستخدم الرأي بغزارة ومنهم من يضيق فيه . ورأينا كيف كان الخليفة عمر يستخدم رأيه في حل العديد من القضايا المستجدة التي تواجه الأمة الإسلامية . والحقيقة التي لا مراء فيها أن الخليفة عمر والصحابي « عبد اللّه بن مسعود » يعتبران من شيوخ مدرسة الرأي المؤسسين لها . وعندما ذهب ابن مسعود إلى الكوفة تخرج على يديه الكثير من تلاميذ هذه المدينة الذين ترسموا منهجه في استنباط الأحكام الشرعية . وكانت هذه المدرسة منذ بدايتها تعتد بالرأي حيث لا نص من كتاب أو سنة . وأشرنا آنفا إلى تحرج ابن مسعود عن رواية الأحاديث عن رسول اللّه خوفا وتقية . الأمر الذي ساعده على الإدلاء برأيه في العديد من المسائل التي تطرح عليه . وإذا تتبعنا سلسلة أعلام هذه المدرسة لرأيناها ممتدة من ابن مسعود إلى علقمة بن قيس إلى إبراهيم النخعي إلى حمّاد بن أبي سليمان إلى الإمام أبي حنيفة الذي أطلق عليه جولد زيهر بحق إمام ورئيس هذه المدرسة بلا منازع . والسبب في نشأة هذه المدرسة بالكوفة وازدهارها بالعراق وجود ابن مسعود بها أولا ، وقلة الحديث في العراق ثانيا ، وتمدن وتحضر وعلاقة هذا القطر بفارس والهند والأمم المتمدنة ثالثا .
وقد امتازت هذه المدرسة بخصائص مميزة منها كثرة تفريعهم الفروع حتى الخيالي منها ، لكثرة ما يحدث في قطرهم من حوادث لا مثيل لها في الحجاز ، فيبدون حكما في المسألة المطروحة ، ثم يفرعونها ، ويقلّبونها على سائر وجوهها الممكنة وغير الممكنة ، ويفترضون حلولا لقضايا مطروحة أو من الممكن طرحها مستقبلا حتى أطلق عليهم أهل الحديث الأرأيتيّين « 1 » . كما تمتاز هذه المدرسة بقلة رواية الحديث
هامش
( 1 ) أحمد أمين ، فجر الإسلام ، المرجع السابق ، ص 242 .