بالصحة أو الضعف ، لأنهم يجمعون على العمل بالحديث المتواتر والمشهور ، ويخصصون بها النص العام في الكتاب ، ويقيدون بها النص المطلق فيه ، أما حديث الآحاد فإنهم يختلفون في الأخذ به ، ومن هنا كان خلافهم في القضايا الفقهية المطروحة أمامهم . ومنها : اختلاف الفقهاء في موقفهم من تعارض النصوص ، وبيان ذلك أنه لا تعارض بين الأدلة الشرعية سواء أكانت من الكتاب أو السنة ، ولكن التعارض يأتي بين النصوص من حيث عدم العلم بالسبب والظروف التي ورد فيه كلّ منهما ، أو عدم العلم بما يراد من كل منهما على سبيل القطع ، أو عدم العلم بزمن ورودهما وأيهما أسبق من الآخر ، أو غير ذلك ما يرتفع به التعارض والخلاف . فإذا أورد نصّان متعارضان في الظاهر حاول الفقيه دفع هذا التعارض فتختلف مناهج الفقهاء في دفعه ، ويترتب على ذلك اختلاف الأحكام الفقهية . ومنها : اختلاف الفقهاء في الاعتماد على غير الكتاب والسنة والإجماع من المصادر كالقياس والمصالح المرسلة وعمل أهل المدينة والاستحسان . فالقياس لا تأخذ به الظاهرية بينما هو مصدر للفقه في المذاهب الأخرى ، والآخذون به يتفاوتون في ما بينهم في الأخذ به ، فمنهم من يتوسع فيه ومنهم من يضيق من مجاله ، وهذه الأمور تؤدي إلى اختلاف الفقهاء في الأحكام . ومنها : اختلاف الأعراف التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والبيئات فتأتي الأحكام مختلفة ، ومنها : اختلاف العقول البشرية في طاقتها وقوتها مما يؤدي إلى الاختلاف في المدارك العقلية التي تؤدي بدورها إلى الاختلاف في استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية . كما أدى ذلك إلى الاختلاف في العلم بالأحكام الشرعية وعللها ومقاصدها ، والإحاطة بالظروف والملابسات إلى الاختلاف في فهم الأحكام الشرعية واستنباطها .
ومن هنا كان اختلاف أحكام الفقهاء ليس راجعا إلى تطور الحديث ، أو نقصه في العصور الإسلامية ، أو اختلاف مصادره الأصلية كما ذهب إلى ذلك جولد زيهر .
وقد أدى هذا الاختلاف إلى استنتاج جولد زيهر باختراع الحديث القائل باختلاف الأمة الإسلامية رحمة . والحقيقة غير ذلك ، فهذا الحديث يدعمه حديث آخر مرفوع إلى الرسول « أي أصحابي بمنزلة النجوم من السماء ، فأيما أخذتم به اهتديتم » وقد روى ذلك الحديث « اختلاف أصحابي رحمة » أو « اختلاف أمتي رحمة » وقد رواه البيهقي بسند منقطع عن ابن عباس . والحكمة في ذلك التوسعة على الأمة في إيجاد الحلول القانونية الكثيرة المختلفة التي تتسع لكل مطالب الحياة ، فما يضيّقه فقيه يوسعه آخر ،
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 483
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص٤٨٣