وإذا لم تجد الأمة الحل في رأي فقيه معين وجدته عند آخر ، وهذا كله تخفيف على الأمة ورحمة بها . والمراد بالاختلاف هنا - كما أسلفنا القول - الاختلاف في استنباط الأحكام الشرعية وليست في أدلتها التفصيلية . ومن هنا نفهم رفض عمر بن عبد العزيز الاقتراح الذي قدم له بإصدار قانون موحد للأمة الإسلامية قائلا : « ما أحب أن أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا يختلفون ، لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق ، وإنهم أئمة يقتدى بهم » . ومن هنا أيضا نفهم رفض الإمام مالك حمل الناس على موطّئه عندما اقترح عليه المنصور ذلك فيقول له : « يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل ، وسمعوا الحديث ، ورووا روايات ، فأخذ كل قوم بما سبق إليهم من اختلاف الناس ، فدع الناس وما اختار كل بلد منهم لأنفسهم » « 1 » .
أما ما ذهب إليه جولد زيهر من تأثر فقهاء المسلمين بالقانون الروماني ، واستمداد الكثير من أحكامه من القوانين البيزنطية ، فإنه وإن كان الرد على هذه الشبهة سيكون مكانها المناسب لها في الفصل الخاص « بالمستشرقين والفقه الإسلامي » . إلّا أنه ما دام قد أورد هذه الشبهة إبان حديثه عن تطور الحديث في العصور الإسلامية الأولى فإننا سنقتصر في ردنا على بيان أن التشابه بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني في بعض القواعد والنظم المعينة لا يستلزم بالضرورة أن يكون أحدهما مستمدا من الآخر أو متأثرا به . لأن العقول الإنسانية السليمة تتشابه في كثير من ألوان التفسير ، وتتوافق الخواطر أحيانا في كثير من المواضيع ، وكثيرا ما رأينا الوحي السماوي يوافق بعض الآراء البشرية كالقضايا التي أفتى بها عمر برأيه . ثم إن تأثر الفقه الإسلامي في مرحلته المتقدمة بالقانون الروماني المبثوث في سوريا لا دليل علميّا يعضده ، ولا وثائق وكتب رسمية تبينه ، خاصة وأن القضاء الروماني قد انتهى في سوريا بعد فتحها من قبل المسلمين الذين لم يطبق قضاتهم في تلك الأصقاع إلا الشريعة الإسلامية . يضاف إلى ذلك أن المدارس الفقهية الإسلامية نشأت وترعرعت وازدهرت بالمدينة ثم الكوفة فالبصرة ، ولم نعثر على مدرسة فقهية ترعرعت بالشام حتى نقول بتأثرها بالقانون الروماني . حتى الإمام الأوزاعي الذي يصنفه المستشرقون بأنه إمام مدرسة بيروت الفقهية فهو من أهل الحديث وليس من أهل الرأي .
أما حديث « جولد زيهر » عن نشأة مدرستي الرأي والحديث . فإن رأيه حولهما
هامش
( 1 ) الدهلوي ، حجة اللّه البالغة ، ج 1 ، ص 45 .