تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
« الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك ممّا لم يبلغك في الكتاب والسنة ، اعرف الأشباه والنظائر ، ثم قس الأمور عند ذلك ، فاعمد إلى أحبها عند اللّه ، وأشبهها بالحق فيما ترى » . وكتب التاريخ والفقه مليئة بالقضايا التي فصل فيها عمر بالرأي . ومن خلال هذه الاجتهادات المختلفة تكوّنت لدى المسلمين ثروة فقهية عظيمة منذ القرون الأولى ولم تكن بتلك القلة والضآلة التي صورها لنا « جولد زيهر » في كتابه . أما قول « جولد زيهر » : إن الخلافات الفقهية في مجال العبادات والمعاملات هي التي أدت إلى اختراع الحديث الذي يصف ذلك الاختلاف بالرحمة للأمة الإسلامية ، فإنه هو الآخر قول مردود من أساسه ، وبيان ذلك أن الفقهاء المجتهدين قد اتفقوا منذ البداية على أن مصدر الأحكام الفقهية هو الكتاب ، ثم السنة ثم إجماع الأئمة المجتهدين إن وجد ، ثم الرأي والاجتهاد على اختلاف بعض أنواعه . ولكن هؤلاء الفقهاء اختلفوا في الأحكام المستنبطة من هذه المصادر المتفق عليها إجمالا . والسبب في ذلك راجع إلى اختلافهم في فهم النصوص وتطبيقها واختلافهم في كيفية استخدام السنة والقواعد التي تستنبط عن طريقها هذه الأحكام . ومن أهم أسباب هذا الخلاف الاشتراك الواقع في الألفاظ ، واحتمالها للتأويلات « 1 » . فيشتمل النص على لفظ مشترك يدل على أكثر من معنى ، فيحمله كل فقيه على المعنى الذي يترجح لديه ، ومنها : دوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز « 2 » . فمنه ما يرجع إلى اللفظ المفرد مثل
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. ومنه ما يرجع إلى أحواله نحو
بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
ولم يبن وجه الخلاف ، وأشباه ذلك مما يورد من أنواع الكلام بصورة غيره ، كالأمر بصورة الخبر ، والمدح بصورة الذم ، والتكثير بصورة التقليل ، وعكسها « 3 » . ومنها : وصول الحديث إلى بعض الفقهاء دون بعضهم الآخر ، فمن وصل إليه الحديث عمل بفحواه ، ومن لم يصل إليه اجتهد برأيه ، وقد يؤدي به ذلك الاجتهاد إلى خلاف ما ورد في الحديث . ومثال ذلك قوله عليه السلام « إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا » وقد وصل هذا الحديث إلى الشافعي فوثق بصحته وعمل به ، ولم يصل هذا الحديث إلى أبي حنيفة ومالك فأفتيا بخلافه « 4 » . ومنها : اختلاف الفقهاء في الحكم على الحديث
هامش
( 1 ) الشاطبي ، الموافقات ، المرجع السابق ، ج 4 ، ص 211 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 212 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 213 . ( 4 ) المرجع السابق ، ص 174 ، مع اختلاف في الصياغة وقرب في المعنى .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 482 | ساسي سالم الحاج