تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
واحدا لبيان كيفية استخدام الحديث في كلا المدرستين . ويشير هنا إلى واقعة غيلان الثقفي الذي أسلم وكان في عصمته عشر نساء . فأمره النبي أن يختار منهن أربعا ويفارق الباقي . ولكن حكم الرسول هذا قد فسر بطرق شتى من قبل المدرستين المذكورتين : فالحجازيون يتمسكون بحرفية النص ويقولون : إن غيلانا يطلق من شاء منهم ويحتفظ بأربع فقط . والعراقيون يبحثون عن الأسباب العميقة لهذا الحكم ويرون الاحتفاظ بالزوجات الأربع الأقدم زواجا باعتبار هن الزوجات الشرعيات ، وتطليق الأحدث زواجا منهن لأن عقد زواجهن فاسد طالما كانت الشريعة لا تعترف بالزواج الشرعي لأكثر من أربع نساء في وقت واحد . وهذا المثال - يقول جولد زيهر - يبين لنا كيفية استخدام المدرسة العراقية لمنهج التفسير المبني على النظر والتحقيق . إن الخلاف بين المدرستين لم يتناول أمور العبادات فحسب ولكنه تعداها إلى إدارة العدالة ، فالمدرسة الحجازية تمنع على القاضي أن يصدر حكمه بناء على أدلة ذاتية أو قناعة شخصية ولكنه عليه أن يصدر حكمه بناء على أدلة موضوعية ، فإذا لم تتوفر لديه هذه الأدلة فعليه أن يتوقف في إصدار حكمه ، وأما المدرسة العراقية فإنها ترى صحة الأحكام المبنية على الأدلة الذاتية وقناعات القاضي الشخصية « 1 » . وبعد أن انتهى « جولد زيهر » من عرضه لتطور الحديث في العصر العباسي بظهور مدرستي الرأي والحديث ، عالج كيفية التوفيق بين الأحاديث المتعارضة والمتناقضة ، وأشار إلى جهود علماء المسلمين في هذا الخصوص - وهو موضوع سنتعرض له في مبحث مقبل - ووصل إلى نتيجة علمية مفادها اختراع « الإجماع » كمصدر من مصادر الفقه الإسلامي نتيجة تعارض الأحاديث وتضاربها ، ولهذه النتيجة المتعسفة قصة أخرى لا مجال لدحضها في هذا السياق . طرح « جولد زيهر » في عرضه السابق لتطور الحديث عدة قضايا منها عدم غزارة المادة العلمية في العصور الإسلامية الأولى وخاصة تلك المتعلقة بالحديث حتى تمكّن الفقهاء من خلق نظام قانوني متكامل للأمة الإسلامية . ومنها : شكه في الحديث القائل ب « اختلاف أمتي رحمة » وتفسيره إياه بأنه عبارة عن تبرير واضح للخلافات المتعلقة بالقضايا الفقهية في مجال العبادات والمعاملات . ومنها : ظهور مدرستي الحديث والرأي ، وتأثر الأخيرة بالقانون الروماني ، وإنكاره لأصالة الفقه الإسلامي خلافا إلى ما
هامش
( 1 )Ibid , op , cit , p . 97 .