الحديث لم يكن يعني كثيرا لدى أصحاب هذه المدرسة وما المثال الذي أعطي على الزهري ببعيد عن الأذهان ، لكن أصحاب الرأي هم الذين درسوا وفحصوا طرق إذاعة ونشر الأحاديث ، وحتى هؤلاء محتاجون إلى الحديث لحل بعض القضايا المطروحة عليهم . أما أصحاب الحديث فإنهم لا يستطيعون السير خطوة واحدة إلى الأمام طالما لا يستندون إلى أحاديث ، ويتشبثون بأي نص مهما كان احتماله ضعيفا لدعم آرائهم .
وهكذا نفهم ذلك الفيض من الأحاديث الناتجة عن هذه الأمور « 1 » .
ترى الأمة الإسلامية أن مذهب أهل الحديث من البديهيات المسلم بها في الدين ، فالرجل العادي يرى أنه من الطبيعي أن تستمد القواعد القانونية شرعيتها من القرآن أو السنة وتعتمد عليها . ولجأ أهل الرأي إلى إقرار هذه القواعد لإسناد آرائهم وإضفاء الشرعية عليها لأنهم يلتجئون إلى تفسير واستخدام وتطويع هذه الأحاديث لتتطابق وآراءهم . وهي الأحاديث التي يطلق عليها أحاديث الكوفة والبصرة التي يرفضها أهل الحديث لأنهم يرونها قد استخدمت كحجج لاستنباط الآراء الوضعية .
ومن هنا نفهم تلك المكانة التي احتلها الحديث ولو شكليا في مدارس الرأي المتأخرة .
أطلق الباحثون على الاتجاهين السابقين « مدرسة الحجاز » و « مدرسة العراق » ولكن يجب أن نلاحظ أن المدرسة الأولى لا تخلو من أصحاب الرأي فهذا الربيع بن عبد الرحمن ( ت 132 أو 133 ه ) الذي يطلق عليه عادة « ربيعة الرأي » موجود بالمدينة ، وهذا الإمام مالك رئيس المدرسة الحجازية رفض اللجوء إلى تزوير الأحاديث النبوية واضطر إلى استخدام الرأي في تدبيج مصنفه . وكان يستشهد بربيعة الرأي ، وكان يقدر جدا منهجية هذا الشخص حتى قال فيه قولا مؤثرا بعد وفاته وهو ذهاب رقة الفقه بعد أن حمل ربيعة إلى قبره « 2 » . ومع ذلك فقد بقي مخلصا إلى الحديث الحجازي حتى أعطى للسنة مكانتها العليا في مسقط رأسه .
ويصرح « جولد زيهر » في معرض حديثه عن مدرستي الحجاز والعراق بأنه لا يريد في هذا السياق بيان الخلافات العقائدية أو القانونية بين المدرستين ، ولكنه يعطي مثالا
هامش
( 1 )Ibid , p . 93 .( 2 )Ibid , p . 94 .وقد ترجمت مقولة مالك في رثاء ربيعة من تلقاء نفسي ولم أرجع فيها إلى الزرقاني الذي أشار إليه « جولد زيهر » .