تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
إن هذه الطريقة المستقلة والمتجانسة التي استخدمت لبناء نظام قانوني إسلامي أطلق عليها بصورة عامة مذهب « أبي حنيفة » ( ت 150 ه ) ، وهو في الحقيقة لم يكن أول مؤسس لهذه المدرسة ولكنه رئيسها بلا منازع ومطورها حتى بلغ بها القمة . إلّا أن ردود الفعل تجاه هذا النظام - المبني على الرأي - قد تمثل مبكرا في معارضة تلميذه أبي يوسف لهذه الطريقة . فهو يرجع عادة إلى الأحاديث في الحالات المبنية على القياس . وهو بذلك يناقض أستاذه « أبا حنيفة » عندما يعتمد على الحديث . وهذا « الشيباني » وهو أحد تلامذة هذه المدرسة يبحث في المدينة حول الإمام مالك عن الأحاديث ويضيف عليها مؤلفا هاما أطلق عليه « الآثار » . فهو يمثل الجناح اليميني لحزب الرأي طالما كان يبحث عن الأحاديث التي هي ليست أساس مذهب أبي حنيفة . ولكن المدرسة المعارضة لمدرسة الرأي تأكد لديها هذا الاتجاه بحزم وهي التي يطلق عليها « مدرسة أصحاب الحديث » ، كانت هذه المدرسة في نشأتها أحدث من مدرسة الرأي لأنها ولدت لمعارضة منهجية المدرسة الأخيرة في استنباط الأحكام . وأصحاب هذه المدرسة يرون أنه يجب اللجوء إلى أحاديث الرسول في كل مسألة وتأسيسها عليه . ولكنه نظرا لنقص المواد المتعلقة بالأحاديث في بداية تطور هذه المدرسة فإنه تمّ اللجوء إلى اختراع الأحاديث وصناعتها وتطويعها لتتوافق والحلول التي تراها . وبالتالي فإنه يجب الاستغناء عن مدرسة الرأي بأي ثمن ، وتفضيل الأحاديث عليها مهما كان ضعفها وقلتها . وغالبا ما تبدو المجادلات بينهما عبارة عن خلاف في الكلام . لأن مدرسة أصحاب الحديث وهي تعتمد على الحديث تستنبط نفس القواعد القانونية التي يتوصل إليها أهل الرأي باستخدام آرائهم الشخصية . ومن هنا لم يكن الخلاف بين المدرستين إلّا نظريا « 1 » . وهكذا لم تكن هناك تطبيقات دائمة لمعظم المسائل القانونية . وأصبحت الحلول المتناقضة تترى في القضية الواحدة طبقا لاختلاف الأحاديث وتناقضها بحيث أصبحت الأحاديث تستخدم في تعزيز الآراء الشخصية ، أو لتأكيد عادات موجودة منذ القدم في بعض الأوساط . ومن هنا فإن أصحاب الحديث لا يهتمون بصحته أو عدالة رواته طالما كان يساعدهم على نصرة مذهبهم . وقد لجأ المسلمون في زمن متأخر إلى تلك المناهج الصارمة لنقد سلسلة الرواة وغربلة صحيحها من موضوعها . كما أن شكل
هامش
( 1 )Ibid , p . 92 .