وهكذا انقسم فقهاء المسلمين إلى قسمين رئيسين أحدهما أطلق عليه « أصحاب الرأي » والآخر « أصحاب الحديث » . والسبب في ظهور المدرسة الأولى هو أن الأحاديث التي لها قوة القانون لم تظهر في القرن الأول الهجري بكميات كافية تنظم جميع الحالات المطروحة . وأمام هذا النقص في المواد العلمية المطروحة فإن الأمر يتطلب مواجهة القضايا الفقهية قاطبة . وإذا لم يكن بالإمكان اللجوء إلى تزوير جديد ، واختراع أحاديث لسدّ النقص في المادة الأساسية ، فإن الأمر يقتضي استخدام النظر والتفكر ، واتخاذ جميع سبل الاستنباط الفقهي - التي يجب خلقها أولا - ثم يمكن بموجبها إنشاء بناء قانوني مستند إلى النظر والاستنباط . وهذه الطريقة أدت إلى نتائج إيجابية أدت إلى ظهور قواعد قانونية لم تتخذ قاعدتها الأساسية الأحاديث النبوية . إلّا أن نشاط الفقهاء العقلي أقرّ القواعد القانونية للقانون الروماني الذي امتد أثره في جميع أرجاء العالم واتسع نطاق سريانه بحرية في العالم الإسلامي « 1 » .
تأثر فقهاء المسلمين بالقوانين البيزنطية ، وآية ذلك أن المقولة القانونية الذائعة الصيت « البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه » كان أصلها بيزنطيا صرفا وهي وغيرها من القواعد مستقاة من النظم القانونية الرومانية . كما أن المفاهيم المتعلقة بمصادر القانون وطرق الاستنباط الفقهي مستمدة أساسا من القانون الروماني أيضا ، وهذه الأدلة كافية لبيان سعي فقهاء سوريا والعراق منذ منتصف القرن الثاني الهجري إلى إنشاء وصياغة نظام قانوني إسلامي إلا أنهم لم يستطيعوا إتمام هذه المهمة حتى نستطيع أن نقول مع « رينان » بأنه نتاج العبقرية العربية . فالفقه شأنه شأن النحو ، وعلم الكلام لم يكن علما عربيا خالصا . ونجد هذه القناعة واضحة لدى علماء المسلمين الأوائل . فالخبر المروي عن « عروة بن الزبير » كاف لوحده للدلالة على هذا التأثير الخارجي الذي مورس على الفقه الإسلامي . فعروة يقول : « ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا ليس فيه شيء حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم ، أبناء النساء اللاتي سبيت بإسرائيل من غيرهم فقالوا فيهم بالرأي فأضلوهم » ، إن أقدم وأكثر تمثيلا لهذا الاتجاه كانوا من أصول أجنبية ولا ينتمون إلى العرب . ومن أشهرهم أبو حنيفة ذو الأصل الفارسي ، وهؤلاء هم مؤسسو ما اعتبره « رينان » كإنتاج أصيل للروح العربية ، وأكثر من هذا فإن كاتبا فرنسيا قديما صنّفه بإنتاج الصحراء « 2 » .
هامش
( 1 )Ibid , p . 89 .( 2 )Ibid , p . 90 .