تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
الخلفاء كانوا ينشدون معرفة التطبيقات القانونية طبقا للقواعد الشرعية ، ولم يأل ، الفقهاء جهدا في توفير العديد من الدراسات والوثائق لهذا الغرض . إلّا أنه لا يمكننا أن نهمل عاملا هاما من العوامل المهمة التي ساعدت على تطور الحديث وتجميعه وحفظه والعناية به . ذلك أن الأعمال التحضيرية التي قام بها فقهاء المسلمين في العصور الماضية لم تكن بتلك الغزارة حتى تستخدم كأساس لتكوين نظام قانوني إسلامي خالص . وكانت تلك الأعمال لا تتناول إلا المسائل المبدئية للحياة القانونية ، ولم تكن هناك قواعد قانونية محددة حاسمة حتى داخل إحدى المقاطعات الإسلامية ، فالتابعون لم يستقروا أو « يجمعوا » على آراء محددة متفق عليها حتى في المسائل المبثوثة في ثنايا القرآن . ولعل ما ذهب إليه « عبد اللّه بن أبي هريرة » في سؤال ابن عمر عن إمكانية أكل السمك الذي يطرحه البحر أكبر دليل على ذلك . فقد تردد هذا الفقيه في إصدار فتواه ثم كانت إجابته سلبية . وعندما التجأ إلى القرآن وجد في الآية 96 من سورة المائدة
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ
اعترف بخطئه وأشار على ابن أبي هريرة بحليّة أكله . ومن هذا المثل استنبط « جولد زيهر » ذلك الشك الذي يحوم حول مثل هذه القضايا والظروف الملابسة لها التي لم يتعرض لها القرآن ، وإن القواعد القانونية القديمة لم تكن حاسمة في بيان الحلال والحرام في المواد الغذائية حسب زعمه ، وغالبا ما تتسم الفتاوى الموضوعة عنها بالتناقض والاضطراب . ولا يزال السؤال المتعلق بجواز أكل لحم الخيل من عدمه محل خلاف . ونفس الشك يشوب المسائل القانونية الأخرى خاصة في مجال « الإرث » . وهذا الشك والاضطراب يرجع افتراضا إلى أن القضايا القانونية الأكثر بدائية لم تنظم بدقة من قبل فقهاء الأزمنة السابقة . ولو لم تكن هذه الفرضية صحيحة فإننا كيف نستطيع تفسير ذلك الخلاف الناشئ في القرن الثاني الهجري بين المذاهب الفقهية المختلفة في أمور المعاملات والعبادات ؟ . بل إن الخلاف يبدو واضحا داخل المذهب الواحد ذاته . وأمام هذا الخلاف الواضح لم يكن بدّ من الفقيه الموفق « بين الآراء المتعارضة » إلّا أن يبرر هذا الاختلاف باعتباره رحمة للأمة الإسلامية . وقد عارض الخليفة « عمر بن عبد العزيز » ذلك الاقتراح الذي قدم له بإنشاء قانون موحّد للأمة الإسلامية ، وهكذا أرسل إلى جميع المقاطعات يحثها على اتباع آراء فقهائها المحليين « 1 » .
هامش
( 1 )Goldziher , op . cit , p . 88 .