يوسف - وقد علمت نصيحته للرشيد في مقدمة كتاب الخراج - وحرصه على الدين ، وتلمذته على أبي حنيفة يستحيل معه أن يفتي هذه الفتاوى المنافية للدين والسنة ، ومنها : أن « جولد زيهر » نفسه في هامش كتابه قد علق على هذه الروايات بأنها ربما تكون قد وضعت من قبل أحد رجال الحديث للتقليل من شأن أبي يوسف باعتباره من أهل الرأي . فإذا كان الأمر كذلك فلما ذا أورد - « جولد زيهر » هذه القصة بغموض في متن كتابه ويستدل بها على كيفية تطويع النصوص الدينية لأغراض الخلفاء الشخصية المتنافية والتعاليم الدينية ؟ . ألم يطلع هذا الباحث على هذا النوع من القصص في كتاب ألف ليلة وليلة ويرى أنها وضعت لتسلية العامة لا للاستشهاد بها من قبل الباحثين ؟ .
يورد جولد زيهر قصة « سباق الحمام » مستدلا بها على كيفية وضع الأحاديث لتتفق ورغبات الحكام . ونحن نرى أن هذه القصة قد اختلف في رواتها ، فمنهم من ينسبها إلى الرشيد لا إلى المهدي هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإن الفقيه الذي نسب إليه وضع هذا الحديث قد اختلف بشأنه أيضا ، فبعضهم يرونه أبا البختري القاضي ، وبعضهم الآخر يرونه « غياث بن إبراهيم » . ثم إن الخليفة الذي وضع هذا الحديث لمصلحته قال فيمن وضع له هذا الحديث « أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » . ثم إن هذا الحاكم قد ذبح الحمام كله وأقلع عن هذه اللعبة فعند ما قيل له ما ذنب الحمام ؟ قال : من أجله كذب على رسول اللّه .
والغريب في الأمر أن « جولد زيهر » بعد أن يتخذ من هذه القصة مثلا على تطويع الأحاديث ووضعها لتتفق ورغبات الحكام . يؤكد أن رياضة سباق الحمام لم تنته عند الخليفة المهدي الذي أمر بذبح الحمام وحرم هذه اللعبة ، ولكنه يراها مستمرة حتى القرن الرابع الهجري وذلك عندما فقد السلاطين العرب في تلك الأيام الحالكة سلطتهم الزمنية وتحولوا إلى كهنة منافحين عن الديانة الإسلامية ، ومنفذين لأفكار فقهائهم الحاذقة فقام « المقتدي » بذبح الحمام ومنع هذه الرياضة . وهو يريد التدليل من خلال هذه الرواية التي استند فيها إلى « ابن الأثير » على زيف الرواية السابقة التي تؤكد انتهاء هذه الرياضة في زمن المهدي بعد أن وضع فيها غياث حديثا مزورا عن الرسول .
ويستمر جولد زيهر في دراسة تطور الحديث إبّان العصر العباسي ، مشيرا إلى أن
هامش
( 1 ) محمد عجاج الخطيب ، السنة قبل التدوين ، مكتبة وهبة ، ط 1 ، 1963 م ، ص 217 .