قوله : « هذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى « هرثمة بن أعين » حين ولّاه ثغر خراسان وأعماله وخراجه ، أمره بتقوى اللّه وطاعته ورعاية أمر اللّه ومراقبته ، وأن يجعل كتاب اللّه إماما في جميع ما هو بسبيله فيحل حلاله ، ويحرم حرامه ، ويقف عند متشابهه ، ويسأل عنه أولي الفقه في دين اللّه وأولي العلم بكتاب اللّه أو يرده إلى إمامه ليريه اللّه عز وجل فيه رأيه . . . الخ » « 1 » . وهكذا أصبحت استشارة الفقهاء في أمور الدولة من الأمور العادية حتى إن اغتيال المتوكل كان قد برّر بفتوى من الفقهاء أعطيت إلى ابنه وخلفائه الذين قاموا باغتياله بناء على تلك الفتوى .
وجد الفقهاء الأرضية صالحة لتطبيق السنة التي أهملت عمدا في العصر الأموي ، بل إنها كانت مجهولة في أجزاء كثيرة منها . ووصف العديد من الفقهاء في العصر العباسي بأنهم أظهروا السنة وأذاعوها في الآفاق . ولم يكن ذلك ممكنا لولا تشجيع السلطة الحاكمة على فعل ذلك . ولكن الأمثلة التي لجأ إليها أولئك الفقهاء لإظهار السنة تبين لنا الحالة السيئة التي كانت عليها إبان الأحقاب الماضية . وتبين لنا أيضا أن الشريعة الإسلامية أصبحت تنظم حياة المسلمين العامة بأخرة ، ففي القرن الثالث الهجري ما زالت عقود الزواج تبرم في مقاطعة سجستان بطريقة يبين منها بطلانها بطلانا مطلقا . ولم ينظم هذا الأمر إلّا القاضي أبو سعيد الإصطخري ( ت 328 ه ) وجعلها موافقة للسنة « 2 » .
إن الاعتراف الرسمي بالسنة ، والتشجيع الذي لاقته من قبل الحكام العباسيين ، وتطبيقها في الحياة الخاصة والعامة للمسلمين ، صاحبها بطبيعة الحال تطور في دراسة الأحاديث النبوية في جو من الحرية كان أكثر اتساعا مما كانت عليه في العصر الأموي .
ففي هذا العهد بدأ التمييز بوضوح بين الحلال والحرام ، وتم إعداد الكثير من القواعد القانونية والتنظيمات المتعلقة بالعبادات . وأخذ الفقهاء يحاولون استخراج صحف ووثائق تحمل توقيع النبي ، منفصلة للحياة الدينية والاجتماعية للمسلمين . ولم يكن بالإمكان فعل ذلك في الماضي . ولعلنا نتذكر أن الإمام « مالك بن أنس » قد جمع في منتصف القرن الثاني الهجري ستمائة حديث تنظم الشؤون القانونية . وقد زادت هذه
هامش
( 1 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، القسم الثالث ، ج 11 ، ص 717 وذكره جولد زيهر في كتابه ، ص 84 ، هامش رقم ( 3 ) .
( 2 )Goldziher , op , cit , p . 84 .