تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
للتوافق والسنة . فكان الخليفة المهدي مولعا بسباق الحمام واللهو به ، وكان الفقهاء المتشددون يرونها رياضة يحرمها الدين . ويقول « جولد زيهر » : إن الديانة اليهودية تحرم هذا النوع من التسلية ، ولا تقبل لمن يزاولها شهادة ويحرم قسمه ، وكان الفقهاء المسلمون يعتنقون نفس الرأي . وبما أن الخليفة لا يبتغي خرق القانون فوضع « غياث بن إبراهيم » حديثا عن النبي مفاده « لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح » فزاد « جناح » إرضاء للمهدي ، فمنحه جائزة سنية ، ثم أمر بذبح الحمام لأنه من أجله كذب على رسول اللّه « 1 » . يستنبط « جولد زيهر » من هذه القصة المختلف في روايتها مقدار ما يستطيع فقهاء البلاط فعله لتتفق تصرفات الخلفاء مع أحكام السنة العملية . وهذا الاعتبار يجسد أحد أهم العوامل في تاريخ تطور الحديث . إن رياضة تسابق الحمام لم تكن تمارس في البلاط العباسي فحسب ، بل إن هذه الرياضة كانت منتشرة بكثرة في العراق منذ القرن الثالث حتى القرن الرابع الهجري . ولم تنته هذه الرياضة إلا في عهد المقتدي ( ت 467 - 487 ه ) الذي أمر بذبح الحمام ومنع هذه اللعبة « 2 » . ويرى « جولد زيهر » أنه منذ تولي الأسرة العباسية مقاليد الحكم أصبحت السنة علما ، ومرشدا للحياة ذات طبيعة رسمية . خلافا للعصر الأموي حيث كان أهل العلم لا يحفل بهم ، ولكن هؤلاء العلماء أصبحت لهم مكانة عالية ويمارسون نفوذا عاما واسعا إبان العصر العباسي . ولعلنا نلاحظ تلك المكانة العالية التي يتمتع بها الفقيه « مالك بن أنس » في بلاط « هارون الرشيد » بالرغم من أنه ليس من أنصار البيت المالك . بل إن التغيير قد حصل في المسائل الإدارية أيضا تجاه العناصر الدينية ، فكانت هذه العناصر لا نفوذ لها يذكر في العصر الأموي ، ولكن في هذا العهد أصبحت لها مكانة عالية في إدارة الشؤون العامة . ولعلنا نذكر في هذا الصدد ما ورد في المرسوم الصادر من هارون الرشيد بتعيين الوالي « هرثمة بن أعين » حاكما على خراسان
هامش
( 1 ) أورد الأستاذ أبو رية هذه القصة منسوبة إلى الرشيد وليست إلى المهدي ، وأن الفقيه الذي زاد في الحديث هو أبو البختري وليس غياث بن إبراهيم ، انظر كتابه أضواء على السنة المحمدية . المرجع السابق ، ص 88 . ( 2 ) ابن الأثير ، الكامل ، ج 10 ، ص 85 ، وذكره جولد زيهر في كتابه المنوه عنه ، ص 83 هامش رقم ( 5 ) .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 468 | ساسي سالم الحاج