وأنت تبني لخلق كثير قد استرعاكهم اللّه وائتمنك عليهم وابتلاك بهم وولّاك أمرهم ، وليس يلبث البنيان إذا أسس على غير التقوى أن يأتيه اللّه من القواعد فيهدمه على من بناه وأعان عليه . فلا تضيعن ما قلدك اللّه من أمر هذه الأمة والرعية ، فإن القوة في العمل بإذن اللّه . . . الخ » إلى أن يقول بعد كلام كثير : « وإضاءة نور ولاة الأمر إقامة الحدود ، ورد الحقوق إلى أهلها بالتثبت والأمر البين ، وإحياء السنن التي سنها القوم الصالحون أعظم موقعا ، فإن إحياء السنن من الخير الذي يحيا ولا يموت . . .
الخ » « 1 » .
ويعلق « جولد زيهر » على هذه المقدمة بأنها تبتغي تنظيم جميع الأمور الإدارية العامة مستندا فيها إلى السنة ، ولا يفتأ أبو يوسف يذكّر الرشيد في كل مناسبة بأنه يخاطبه بصفته ممثلا للّه ، ويذكره بالسنة قائلا : هذا ما نقل إلينا من الرسول وأدعو اللّه أن يجعلك ممّن استن بفعله « 2 » .
لم يكن الخليفة الرشيد هو وحده فقط الذي يعتقد ضرورة استشارة الفقهاء في القضايا العامة . فهذا الخليفة المهتدي يكتب له الفقيه الخصّاف ( ت 261 ه ) رسالة تتعلق بالتشريعات الإدارية أطلق عليها هي الأخرى كتاب الخراج « 3 » .
وبمقدار ما كان الفقهاء يشيرون على الخلفاء بتطبيق السنة في الحياة العامة ، بمقدار ما كانوا يتساهلون تجاه الحياة الخاصة التي يحياها أولئك الخلفاء التي لا تتفق عادة والدور المنوط بالأئمة الذين يجب عليهم القيام به تجاه الأمة الإسلامية . بل إن هؤلاء الفقهاء كثيرا ما يصدرون فتاوى دينية تتعلق بحياة الخلفاء اللاهين لا تتفق والسنة . فالفقيه أبو يوسف الذي يرى في السنة المرشد الهادي للمتقين يعرف كيف يرضي ضمير الخليفة عندما يحلل له لذة محرمة في الدين « 4 » .
وهذا والد هارون الرشيد كان لديه فقيه يفتيه في العديد من المسائل حسب رغبته
هامش
( 1 ) أبو يوسف ، كتاب الخراج ، دار المعرفة ، بيروت ، ص 5 . وقد ذكر جولد زيهر معظم هذه المقدمة في كتابه المنوه عنه ، ص 80 - 81 . وقد استقينا هذا المقطع من الكتاب الأصلي لأبي يوسف .
( 2 )Goldziher , op . cit , p . 81 .( 3 )Ibid , p . 81 .( 4 )Ibid , p . 82 .