عبد العزيز - لكن بالنسبة للعباسيين فليس المهدي وحده الذي تقال فيه مثل هذه الأشعار « 1 » .
وبالرغم من هذه المظاهر الدينية الخارجية التي تصبغ الحياة العباسية ، فإن البلاط العباسي لم يكن أقل بذخا وأقل طربا ولذة من البلاط الأموي بدمشق . فبالرغم من هذه المظاهر الدينية فإن الحكام لم يعيروها اهتماما خاصا في حياتهم الشخصية .
فالناس والحكام يغنون ، ويعيشون معيشتهم ، والفقهاء يناقشون بجدية جرائم الحدود وعقوباتها خاصة حدّ شرب الخمر ، وخلفاؤهم يعاقرونها في جو مفعم باللذة والطرب المصحوب بالمغنيات والراقصات . فهذا « المتوكل » الذي أحيا العديد من المعتقدات المنسية من قبل أسلافه كان سكيرا في قصره . ولكن يجب الاعتراف أنه بجانب مظاهر الغناء واللهو والعبث والطرب كانت هناك حياة دينية معارضة لمظاهر الخلاعة هذه .
وهكذا تحترم التعاليم الدينية أمام العامة وفي الحياة الرسمية للدولة ، خلافا لما كان عليه الحال في العصر الأموي حيث يتناول الناس الخمر في المساجد « 2 » . لكن هذه التصرفات غير مسموح بها البتة في العصر العباسي ، فالخليفة يستمتع بلهوه وملذاته مع ندمائه داخل قصره ، ولكنه لا يفعل ذلك مطلقا أمام رعاياه . فالخليفة يجب أن يظهر أمام العامة بمظهر حامي الدين وراعيه ، فهو يطبق القانون ويأمر بتطبيق أحكام الشريعة .
وهذا الخليفة « القاهر » « 320 - 322 ه » الذي أنزل عقوبات صارمة بشاربي الخمر والمغنين والمغنيات كان غالبا في حالة سكر دائم . وكان الخلفاء وندماؤهم يعاقرون الخمر ويعاقبون من يعاقرها من رعاياهم بالجلد . ويمكننا تصور هذا الوضع طبقا لما خاطب به « سفيان الثوري » « هارون الرشيد » بقوله : « بينما كان أصحاب ابن داود يشربون حتى الصباح الباكر ، فإنهم يناقشون بعمق قضية خلق القرآن » « 3 » .
وهكذا كان الخلفاء والوزراء ورجال الحاشية يناقشون القضايا الاعتقادية وهم يعاقرون الخمر ، وكان الخلفاء العباسيون الأكثر تحررا كالمأمون يسمح بالمناظرات العقدية ، وقد قيل عنه إنه ألف بعض الكتب عن هذه المسائل الاعتقادية .
ويختم « جولد زيهر » - بعد تحليل طويل - حديثه عن المظاهر الدينية في العصر
هامش
( 1 )Goldziher , op . cit , p . 68 .( 2 ) أبو المحاسن ، ج 1 ، ص 242 ، جولد زيهر ، المرجع السابق ، ص 69 ، هامش رقم 4 .
( 3 ) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ، ص 142 ، جولد زيهر ، المرجع السابق ، ص 70 ، هامش رقم 8 .