وهكذا استخدم الشاعر العباسي الأمير « عبد اللّه بن المعتز » هذه الحجج في مواجهة العلويين لإبطال ادعاءاتهم « 1 » .
إن الخلفاء العباسيين يحيطون سلطانهم بهالة ثيوقراطية فنراهم يتحدثون عن « نور الخلافة » بل وعن « نور النبوة » الذي يتلألأ على جبين أولئك الأمراء . فهذا « هارون الرشيد » يتحدثون عنه بأنه سمح للناس أن يقدموا له آيات الحمد والثناء كتلك التي تقدم للأنبياء ، فهو لم ينكرها أو يطرحها جانبا . واتخذت هذه المظاهر الشخصية للخلفاء مناحي عقدية جديدة حتى قال شاعرهم :
من لم يكن بأمين اللّه معتصما * فليس بالصلوات الخمس ينتفع « 2 »
وهذا الأمر خلافا للعهد الأموي الذي تكفي فيه مقولة « أمير خير القرشيين » « 3 » علما بأن الخليفة أبا بكر حينما تولى قيادة المسلمين رفض أن يلقب بمثل هذه الألقاب حينما قال في خطاب ترسيمه : « ولّيت عليكم ولست بخيركم . . . » بل إن العباسيين سمحوا لشعرائهم أن يطلقوا عليهم بعض الصفات التي لا تطلق إلّا على النبي كقولهم للأمين والمتوكل وغيرهم : « إنهم خير خلق اللّه كلهم » « 4 » .
حاول العباسيون تبرير القضاء على الأسرة الأموية لنسيانها اللّه ونفورها من الدين ، وإن حركة « أبي مسلم الخراساني » وما نتج عنها من انقلاب في الأوضاع السياسية الإسلامية اعتبرت كتدعيم لأركان الإسلام . وهكذا أصبحت الأسرة الجديدة غير متسامحة في مسائل حرية العقيدة . وممثلوها يعطون انطباعا ولو ظاهريا بأنهم جاءوا لتجديد نظام متوافق لروح النبي والخلفاء الراشدين . فهذا الشاعر « مروان بن أبي حفصة » يمدح الخليفة العباسي المهدي بقوله :
أحيا أمير المؤمنين محمد * سنن النبي حرامها وحلالها « 5 »
وقد منح المهدي شاعره جائزة سنية تقدر بستين ألف درهم ، وعدة حلل سندسية مكافأة له على هذه القصيدة التي لا يمكن أن يمدح بها أمير أموي - باستثناء عمر بن
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , 65 .( 2 ) النميري في مدح هارون الرشيد ، جولد زيهر ، المرجع السابق ، ص 67 هامش رقم 8 .
( 3 ) أبو حنيفة الدينوري ، جولد زيهر ، المرجع السابق ، ص 67 هامش رقم 9 .
( 4 ) الأغاني ، ج 1 ، ص 7 ، جولد زيهر ، ص 67 هامش رقم 3 .
( 5 ) الأغاني ، ج 9 ، ص 45 ، جولد زيهر ، المرجع السابق ، ص 68 ، هامش رقم 9 .