تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
العباسي ، ذلك أن التغييرات الجوهرية التي أصابت إدارة الدولة الجديدة وأحوالها بعد سقوط الأسرة الأموية يمكن ملاحظتها من عدة مناح مختلفة ، وهي تغييرات أساسية قد حصلت في جميع مناحي الحياة خاصة الدينية منها . فالإدارة العربية والمظهر القومي العربي السائد في العصر الأموي قد تلاشى بسرعة ، ودخلت عناصر أجنبية في العصر العباسي أصبحت لها المكانة الأولى فيه . وبرز الطابع الديني للدولة ، ولم يتأثر الموالي المسيطرون على مقاليد العهد الجديد بهذا الاتجاه الديني للدولة العباسية . فالموالي وخاصة الفرس منهم جلبوا معهم بقايا دياناتهم وأنظمتهم السياسية والإدارية ، وحاولوا التوفيق بينها وبين التعاليم الإسلامية الجديدة . وطالما كانت السيطرة الأموية في مجملها - باستثناء عهد عمر بن عبد العزيز - دنيوية ولم يكن لها طابع ديني سواء في مظاهرها الخارجية أو اتجاهاتها المختلفة . فإن السيطرة العباسية اتخذت منذ بدايتها طابعا دينيا واضحا . وهذه الهيمنة وجدت أسسها وقواعدها في التقاليد الهاشمية . فمقابل « الملك » الأموي يوجد « الخليفة » العباسي باعتباره رئيسا دينيا ، لأنه ليس حاكما فقط للدولة ولكنه رئيس للكنيسة الرسمية أيضا « 1 » . فالخليفة العباسي محاط بخصائص وصفات ثيوقراطية ويريد أن يصبح « إماما » فعليا . وهو يعتبر نفسه خليفة للرسول في القيادة الروحية للأمة الإسلامية ومفوضا إلهيا لإدارة شؤون المسلمين . وهذا يتنافى وما عرف عن الأمويين الذين يعتبرون القضيب وخاتم الخلافة من مظاهر السيادة التي يتناقلونها بالوراثة . فأضاف إليها العباسيون « بردة الرسول » . وهي تلك البردة التي يقولون عنها : إن الرسول قدمها هدية للشاعر العربي « كعب بن زهير » نظير قصيدته « بانت سعاد » التي مدحه فيها . وهكذا أصبح هؤلاء الحكام يتقلدون هذه البردة في أثناء مبايعة رعاياهم لهم عند توليتهم السلطة ، كما يحملونها في المناسبات الرسمية ولأغراض جدية بل ولأهداف ذات طبيعة عسكرية ، ويلبسونها خاصة عندما يؤمون الصلاة العامة وفي المناسبات الهامة . وهذه المظاهر جميعها لا وجود لها في العهد الأموي ولكنها تتخذ أشكالا أخرى ، فالملك من هذه الأسرة لا ينتقل بين رعاياه مرتديا اللباس العسكري ليؤم صلاة العيد فالبردة رمز لصفات الحكام العباسيين باعتبارهم ورثة الرسول . وبفضل هذا اللباس فإن الخاصية الأتوقراطية للخليفة العباسي يجب الإعلان عنها بوضوح وأمام كل الناس باعتبارها العلامة المميزة لحقهم المطلق في الخلافة .
هامش
( 1 )Goldziher , E . T . I . op . cit , p . 65 .