وكذبه . فإن الأمر ليس كذلك . ولم يقم الصحابي بتلفيق عمل للرسول ونسبه إليه زورا . وكل ما هنالك كما تروي كتب الفقه أن عبد اللّه بن مسعود سئل عمن تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا ومات قبل أن يدخل بها ، وهي التي تسمى في الفقه بالمفوّضة فاجتهد شهرا ثم قال : أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن اللّه وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان واللّه ورسوله منه بريئان . أرى لها مثل صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث . فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : أشهد لقد قضيت فيها بقضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بروع بنت واشق الأشجعية ، فسر عبد اللّه بن مسعود سرورا لم يسر مثله قط ، لموافقة قضائه قضاء رسول اللّه . لكن علي بن أبي طالب ردّ هذا الحديث ولم يعمل به وقال : لا ندع كتاب ربنا لقول أعرابي بوال على عقبيه . وكان يفتي في هذه المسألة بفتوى مخالفة لتلك التي ذهب إليها ابن مسعود ، مقدما القياس على الحديث لعدم ثقته بالراوي له عن رسول اللّه . أما ابن مسعود فإنه وثق بالراوي واطمأن إليه فعمل بحديثه بعد أن استنبط الحكم برأيه « 1 » . ولا ندري لما ذا علق « شاخت » على هذه الواقعة بقوله : « لقد رأينا أن رأي ابن مسعود كان مفترضا بأنه يتفق مع قضاء رسول اللّه » « 2 » . وأين موطن الخطأ أو الكذب في هذه الواقعة ؟ وما وجه الاستغراب فيها إذا اجتهد هذا الصحابي في واقعة معينة ولم يسمع عن الرسول شيئا حولها ، ثم قضى فيها برأيه ووافق هذا الاجتهاد قضاء رسول اللّه في واقعة مماثلة ؟
ونحن نكتفي بمناقشة آراء « شاخت » حول تطور الحديث النبوي في العصور الإسلامية الأولى وتركنا الرد على بعض القضايا الأخرى التي أثارها حول هذا الموضوع لعلماء آخرين أكثر منّا تخصصا ودراية ، فلا داعي لتكرار ردودهم بالخصوص في هذا المقام « 3 » .
وبما أن تطور الأحاديث من أخطر المواضيع التي عالجها المستشرقون ، وتتبعوا هذا التطور عبر العصور الإسلامية الأولى مبينين خصائصها ، وكيفية تطورها ، وموقف الفقهاء والسلطات السياسية الأموية منها فإن الأمر يقتضي منا تتبع هذا التطور في العصر
هامش
( 1 ) زكي الدين شعبان ، أصول الفقه ، المرجع السابق ، ص 63 - 64 .
( 2 )Schacht , Origins , op . cit , p . 32 .( 3 ) انظر في هذا الصدد مقالة الشيخ محمد مصطفى الأعظمي في كتاب « مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية » المرجع السابق ، ص 63 - 1110 .