تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
« تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما ، كتاب اللّه وسنة نبيه » « 1 » . ثم إن أهل المدينة لا يتركون الأحاديث الصحيحة لعملهم . ولكنهم يفرقون بين إجماع أهل المدينة بصورة خاصة وبين عملهم بصورة أعم ، فإجماعهم هو من عملهم وليس العكس صحيحا ، إذ إن كثيرا من أعمالهم لم تكن من إجماع فقهائهم . فإن بعض المسائل المختلف عليها ، وبخاصة ما يتصل بالمعاملات ، أصبحت من عمل أهل المدينة نتيجة للسلطة القضائية فيها إذا اختارت رأيا من آراء فقهاء المدينة فطبقه في العمل ، ولكن بعض هذه المسائل ، وبخاصة ما يتصل منها بالعبادات ، وهو مما لا يدخل تحت سلطان السلطة القضائية ، أصبح من أعمالهم الشائعة نتيجة لسلطان الفقهاء الاجتماعي إذ طبقوا هذه المسائل على أنفسهم ، وأخذها الناس عنهم « 2 » . إن « شاخت » اعتمد في نظريته الآنف بيانها من اعتماد المدارس الفقهية القديمة - ويقصد بها مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة ومدرسة الأوزاعي - على آثار الصحابة وتفضيلهم إياها على سنة رسول اللّه على ما قاله صالح بن كيسان ، قال معمر : أخبرني صالح بن كيسان قال : « اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا نكتب السنن . قال : وكتبنا ما جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال ثم قال : نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنة ، قال ، قلت : إنه ليس بسنة فلا نكتبه . قال : فكتب ولم أكتب فأنجح وضيّعت » ، ويقول الشيخ الأعظمي في رده على « شاخت » بالخصوص « لا أدري من أين يفهم من هذا النص بأن أهل المدينة فضلوا آثار الصحابة على أحاديث الرسول » . ذلك أن الزهري اتفق مع صالح بن كيسان على الكتابة عما جاء عن رسول اللّه وهو سنة ، وإن صالحا لم يقبل فكرة الزهري عن أهمية آثار الصحابة ، فكتبها الزهري حيث نجح في ذلك وأخفق ابن كيسان في مجال العلم « 3 » . ونحن لا نستطيع تتبع « شاخت » في جميع الجزئيات التي أوردها منعا للاستطراد ، ولكننا نشير إلى استشهاده بواقعة عبد اللّه بن مسعود وقضائه ، الذي وافق قضاء الرسول في قضية مطروحة عليه ، واستدلال شاخت منها بوضع هذا الحديث
هامش
( 1 ) موطأ مالك ، الحديث رقم 3 الذي عنوانه القدر ص 899 . ( 2 ) د . عبد الرحمن عطبة ، مع المكتبة العربية ط 1 ، 1978 م ، ص 369 . ( 3 ) محمد مصطفى الأعظمي ، المستشرق شاخت والسنة النبوية ، مقال في « مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية » ، المرجع السابق ، ص 92 .