تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
النبوية أخذت مكانتها التشريعية العالمية منذ زمن الرسول وزمن الخلفاء الراشدين وذلك استنادا إلى الآيات القرآنية العديدة التي تضع السنة في مرتبة مقارنة للقرآن باعتبارها كلاما موحى به إلى الرسول شأنها شأن القرآن ، وأن الفقهاء قد اعترفوا بآثار الصحابة باعتبارها أعمالا وسننا لهم كانت موافقة لسنة الرسول وأحاديثه الصحيحة . وأن الشافعي عندما نعى على تلك المدارس الفقهية عدم اهتمامها بالسنة فإنه لا يقصد تغليب تلك المدارس لآثار الصحابة عليها ولكنه اعترض عليها لأنها تركت عدة أحاديث هنا وهناك لم تأخذ بها وهذا هو سبب نعيه عليها . وعلى نفس المنوال اتهم « شاخت » المدرسة العراقية التي رآها قد أنزلت بالسنة المنزلة الثانية مقابلة بآثار الصحابة التي كانت تفضل وتعطى الهيمنة . وقد استند « شاخت » في هذه الفرضية إلى عدم مخالفة الأحناف لآثار الصحابة ، وهذا القول لا يعني بالضرورة أن هذه الآثار هي بمنزلة أحاديث الرسول أو مساوية لها في القيمة ناهيك بتفضيلها أو هيمنتها عليها كما يقول شاخت . بل إن فقهاء العراق يقولون في كتبهم الفقهية « لا حجة في أحد مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم » « 1 » . ثم إن « شاخت » لم يقدم لنا الإحصائيات العلمية التي تثبت مخالفة المدرسة العراقية للسنة النبوية في أغلب القضايا الفقهية التي عالجوها كما فعل عندما أراد البرهنة على أن المدارس الفقهية القديمة قد اعتمدت على الآثار أكثر من اعتمادها على الأحاديث النبوية « 2 » . أما قول « شاخت » حول ما نسب إلى موقف أهل السنة النبوية من أنهم تجاهلوا استخدام السنة في أحوال كثيرة ، وأنهم يفضلون العمل عليها خاصة قبل ظهور الإمام الشافعي ، فإن هذا القول تدحضه الأدلة العلمية المقنعة . فالمدينة أطلق عليها دار السنة لاهتمامها به منذ البداية ، ولاستقرار مدرسة الحديث فيها وهي المعارضة لمدرسة الرأي العراقية . ولأن الإمام مالكا فقيه المدينة وعالمها ألف موطأه فيها وقد اشتمل على 822 حديثا فكيف يقول « شاخت » : إن أهل المدينة يتركون الأحاديث إلى العمل ويهملونها غالبا ؟ . - حسب قوله - ونحن لم نر ذلك في أي مصدر سوى ما قرره مالك من تركه ثلاثة أحاديث فقط من تلك المجموعة الضخمة التي جمعها في الموطأ لأنها لم تصح عنده . وكيف يستقيم رأي شاخت ومالك ذكر في الموطأ الحديث المرفوع إلى النبي
هامش
( 1 ) الشافعي ، الأم ج 7 ص 292 ، أبو يوسف ، الخراج ص 58 ، 60 ، 61 ، 76 ، 89 . ( 2 )Schacht , Origins , op . cit , p . 22 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 459 | ساسي سالم الحاج