تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
السنة منذ زمن الرسول يراد بها طريقته وسيرته وخلقه وخلقه وكل ما يتعلق به . وأنها أصبحت في النهاية عبارة عن أقواله وأفعاله وتقريراته . وقد استقرت هذه المفاهيم منذ البداية ولم تتعرض للتطور والتجديد طبقا لضرورات الحياة الإسلامية العقلية أو السياسية أو الاجتماعية . ذلك أن مفهوم سنة الأولين أي عاداتهم وتقاليدهم وما يقوم به آباؤهم وأجدادهم قصد به ما كان الجاهليون متعارفين عليه قبل الإسلام . أما أن « الشافعي » هو أول فقيه إسلامي حدد السنة بأنها المثل في سلوك النبي فهذا ليس صحيحا من الناحية الواقعية والتاريخية . مع إقرارنا أن لفظ السنة العادي وليس الاصطلاحي أريد به في تلك الأزمان آثار الصحابة والتابعين ولكن حجية السنة باعتبارها مصدرا تشريعيا تأتي في المرتبة بعد القرآن أمرا مقطوعا به ، منذ الزمن الإسلامي المبكر ، ولم تكتسب السنة هذه المكانة بعد الإمام الشافعي أبدا . أما بالنسبة لآثار وآراء السابقين من الفقهاء فإنها كانت تمثل هي الأخرى امتدادا للتراث التشريعي والفقه الإسلامي لا مناص لنا من الاعتراف بها والإقرار بأهميتها . أما ما ذهب إليه « شاخت » من القول : إن نظرية السنة القديمة كانت تقدم أحاديث الرسول غير أنها كانت تضعها هي وآثار الصحابة والتابعين في منزلة واحدة مع تفسير تلك الأحاديث على ضوء الأعراف المستقرة في البيئة الإسلامية الأولى . فإن هذا الرأي فاسد من أساسه ، لأن المسلمين لم يضعوا يوما وفي أي زمان ومكان آثار الصحابة والتابعين في منزلة مساوية للسنة النبوية ، لأن الأحاديث النبوية هي الأصل وقد استمدت شرعيتها باعتبارها موحى بها إلى الرسول شأنها في ذلك شأن القرآن ، ثم إنها أسبق في الترتيب الزمني من آثار السابقين . فالحديث هو الحكم على الآثار اللاحقة وليس عكس ما ذهب إليه « شاخت » في نظريته . وعندما عالج « شاخت » الفقه الإسلامي في كتابه الذائع الصيت « أصول الشريعة المحمدية » والذي أحدث دويا واسعا في الدوائر العلمية الغربية ، فقد تطرق إلى تطور السنة في معرض حديثه عن تطور الفقه في العصور الإسلامية الأولى . وهو يرى أن الأحاديث المروية عن الرسول قبل نشأة المدارس الفقهية هي أحاديث موضوعة ، وأن الاعتماد على الأسانيد لوحدها لا يكفي للتثبت من صحة تلك الأحاديث ، لأن أكبر جزء من تلك الأسانيد اعتباطي ، ومعلوم لدى الجميع - حسب قوله - أن الأسانيد بدأت بشكل بدائي ، ووصلت إلى كمالها في النصف الثاني من القرن الثالث
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 455 | ساسي سالم الحاج