تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 452

مساهمون:

ص٤٥٢
أما واقعة استخدام الزهري كوسيلة وأداة لوضع الأحاديث من قبل الأمراء الأمويين وخاصة مسألة إجازته للوليد بن إبراهيم أحاديث زعم أنه رواها عنه وأجازها له دون تردد ، فإن الأستاذ « مصطفى السباعي » يرد عليها بما يناقضها وينفيها جملة وتفصيلا ، وحلل هذه الواقعة على فرض صحتها بأن إبراهيم قد عرض على شيخه الزهري صحيفة سمعها منه وهو ما يطلق عليه في اصطلاح المحدثين ب « المناولة » وأنه أجاز له رواية الأحاديث المدوّنة في تلك الصحيفة بعد أن تأملها واطلع عليها . وإن ادعاء « جولدزيهر » بأن الزهري وافق على أحاديث تلك الصحيفة دون تردد - مع ما فيها من وضع - فهو قول لا يتناسب ومكانة الزهري الدينية والخلقية وما ذاع عنه من سمعة حسنة في جميع الأقطار الإسلامية . ويذكر الأستاذ السباعي أن إبراهيم هذا لم ترو له كتب السنة عندنا شيئا . ولم تذكره كتب الجرح والتعديل ، لا في الثقات ولا في الضعفاء والمتروكين . . . الخ « 1 » . ويستدل جولدزيهر بعدم استطاعة الزهري وأمثاله معارضة السلطة الحاكمة الأموية ، بالرغم من ورعه وتقواه أن صرح ذات يوم بأن الأمراء أكرهوه على كتابة الأحاديث . ونحن نعلم أن الصحابة والتابعين لا يكتبون الأحاديث ولكنهم كانوا يؤدونها لفظا ويأخذونها حفظا . وعندما تولى عمر بن عبد العزيز أمر المسلمين أمر بتدوين الأحاديث خوفا عليها من الضياع بعد موت العلماء ، وعهد بذلك إلى أبي بكر بن حزم . ولكن المنية عاجلته فلم يتقدم هذا المشروع كثيرا بعد وفاته حتى زمن خلافة هشام ، ولكن يبدو أن الزهري استمر في تدوين الأحاديث وكتابتها منذ ذلك الوقت وذلك استنادا إلى رواية الحافظ ابن حجر في كتابه « تقييد العلم » ، ولرواية ابن عساكر أيضا الذي ذكر في كتابه : « إن أول من دوّن العلم وكتبه ابن شهاب » « 2 » . وعندما تولى هشام الخلافة ، واتصل بالزهري ، وجعله مربيا لولديه - وليس لولي عهده كما قال جولدزيهر خطأ - فطلب منه هشام كتابة الأحاديث لأولاده وإملاءها عليهم فأملى عليهم أربعمائة حديث ، ثم خرج من عند هشام كما يقول ابن عساكر وقال بأعلى صوته : « أيها الناس إنا كنا منعناكم أمرا قد بذلناه الآن لهؤلاء ، وإن
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 404 . ( 2 ) ابن عساكر ، تاريخ دمشق ، ج 1 ، ص 73 .