تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة الأحاديث فتعالوا حتى أحدثكم بها فحدثهم بالأربعمائة حديث » . والخلاف بين ما ذكره جولدزيهر وما أثبته ابن عساكر وابن سعد ، أن الأول فسر عبارة « أكرهنا عليها هؤلاء الأمراء » بقوله « معناه أن هؤلاء الأمراء أكرهوا الناس على كتابة أحاديث » « 1 » . فاستنتج منها أن الأمراء أكرهوا الناس على وضع الأحاديث . بينما قصد الآخران - ابن عساكر وابن سعد - أن الأمراء أكرهوا الزهري ومن في حكمه بتدوين الأحاديث ، أي بكتابتها لا بوضعها . وفي هذا المعنى أيضا يقول الأستاذ « محمود أبو رية » : « إن حركة التدوين قد فترت بعد موت عمر بن عبد العزيز إلى أن تولى هشام بن عبد الملك سنة 105 ه فجدّ في هذا الأمر وحث ابن شهاب الزهري - بل قالوا : إنه أكرهه - على تدوين الحديث لأنهم كانوا يكرهون كتابته ، ولكن لم تلبث هذه الكراهية أن صارت رضا ولم يلبث ابن شهاب أن صار حظيا عند هشام فحجّ معه وجعله معلم أولاده . . . » « 2 » . وبالرغم من التعريض الواضح بالزهري من قبل أبي ريّة فإن روايته يفهم منها أن هشاما أكره الزهري على كتابة الحديث وتدوينه ، لا على وضعه والتدليس فيه على الرسول خلافا إلى ما ذهب إليه جولدزيهر في تحليله . ولعل أخطر التهم التي يوجهها « جولدزيهر » للحكام الأمويين بوضعهم أحاديث لم تقتصر على إسناد مكانتهم السياسية ولكنها تعدتها إلى الناحية الدينية في أمور العبادات التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة كخطبة الجمعة ، وخطبة الخلفاء جلوسا بعد أن كانت خطبهم تؤدّى وقوفا ، وإن خطبة العيد كانت تتبع الصلاة فغير الأمويون من ذلك . والحقيقة التي لا مراء فيها أن معظم الأفعال التي يرى جولدزيهر أن الحكام الأمويين قد ارتكبوها هي مخالفة لتعاليم الدين الحقيقية ليست كذلك . ونحن نعلم أن إجراءات الأمن والسلامة للحكام ورؤساء الدول تقتضي تحويرا في الكثير من المسائل العادية حتى يمكن تقديم أكبر محافظة وحماية لأرواح هؤلاء الناس من اعتداءات
هامش
( 1 )Goldziher , E . T . I , op . cit , p . 47 .( 2 ) محمود أبو رية ، أضواء على السنة المحمدية ، المرجع السابق ، ص 225 .