متوقعة ربما يتعرضون لها . فمعاوية عمل المقصورة في المسجد ووضع الحرس على رأسه وقت الصلاة لمنع اعتداء متوقع قد يقع عليه وذلك بعد محاولة قتله من قبل أحد الخوارج . وأنه خطب خطبة العيد قبل الصلاة وذلك لأن الناس إذا صلّوا ، انصرفوا لئلا يسمعوا لعن عليّ ، فقدم معاوية الخطبة قبل الصلاة « 1 » . أما تغييره المنبر ، فلأن المصلين قد كثروا ويقتضي الأمر زيادة علوّه حتى يتمكن من الإشراف على الناس لسماع خطبته وليس هذا مخالفا للدين في شيء . أما الجلوس في الخطبة الثانية فإنه وإن كان تغييرا في شكل العبادة ولكنه ليس تغييرا في موضوعها ، والقرآن الكريم لم ينص على كيفيتها ، والسنة الصحيحة لم تنص على كيفية تطبيقها ، ومخالفة عمل الرسول في هذه الجزئية لم تكن من الأمور التعبدية الخطيرة التي لا يجب علينا التنكب عنها خاصة إذا كانت هناك ظروف تقتضي هذا التغيير . فمعاوية الذي غير هذا التقليد كان له ما يبرره عندما كثر لحمه وشحمه فلم يعد يستطيع الوقوف كثيرا فخطب قاعدا ، وليس الأمر تكبرا واحتقارا للرعية المسلمة كما قال جولدزيهر .
ونحن لو تتبعنا كل ما قاله « جولدزيهر » في تطور الحديث عند المسلمين في الأزمنة الأولى لما انتهينا ، ويكفينا إيراد العديد من الشواهد التي تدل إما على عدم فهمه لبعض الأمور فهما جيدا فجاءت استنتاجاته خاطئة . وإمّا تعمّدا لسوء الفهم لأمر في نفسه فجاءت نتائجه باطلة .
فإذا تركنا جولدزيهر - مؤقتا - وفحصنا ما سطره « شاخت » حول تطور الحديث في القرون الإسلامية الأولى ، لوجدنا أن فكرتهما واحدة وإن اختلف العرض والتحليل . فالمستشرق الألماني « شاخت » يعطي السنة مفهوما قبل الإمام « الشافعي » يخالف ما تعارف عليه المسلمون . فهو يراها - أي السنة - قبل الشافعي لا ترتبط ضرورة بالنبي ، ولكنها تمثل الآثار - ولو تصورا - التي كان عليها العمل بين الجماعة مكونة العرف . فكانت على قدم المساواة مع ما كان يجري عليه العمل من عاداتهم ، أو كانت تأخذ بهم عامتهم على وجه العموم .
ولكن الحقيقة خلاف ذلك ، فنحن وإن كنا نوافق على مفاهيم « السنة » المختلفة عبر العصور ، والمراد بها حسب التطور الذي ساد الحقبة الإسلامية الأولى ، إلا أن
هامش
( 1 ) اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 223 .