تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
أمام ضمائرهم بأنهم إنما يفعلون ذلك من أجل محاربة الإلحاد والطغيان والبعد عن سنن الدين . وهذا الاتهام الخطير مردود من عدة جوانب منها : أن العلماء الأتقياء هم أبعد خلق اللّه عن وضع أحاديث مزورة عن رسول اللّه ، وهم حديثو عهد بالصحابة والتابعين الذين يتشددون في هذه الأمور تشددا صارما ، وما عهدوا عنهم من التحري والتقصي عن الأحاديث الصحيحة خشية الرواية عن رسول اللّه بالخطإ ، ورأينا أيضا آنفا عزف العديدين منهم عن رواية الأحاديث والتحديث بها خشية التحريف فيها . ورأينا مناهجهم في تحري الصحة والدقة في رواية الأحاديث وتدوينها ، واستعظام شأن وضع الأحاديث المدلّسة على الرسول خشية تبوّئهم مقاعد في النار . وهذه الأمور مجتمعة تجعلنا نعتقد جازمين - طبقا لنفسية وورع أولئك الناس من ذلك الزمان - أنهم لا يخترعون الأحاديث عن رسول اللّه حتى ولو كانت من أجل الترغيب أو الترهيب أو كانت من أجل مكافحة الظلم والطغيان . ومنها : أن « جولد زيهر » لم يأت بدليل واحد يثبت به صحة استنتاجاته ، وكل ما ذكره أن الوضع اتخذ سمة المدح لآل بيت الرسول دون الهجوم المباشر على الأمويين . وهذا الرأي لا يستقيم ومقدمة كلامه ، فالوضع إذا لم يوجه ضد الأمويين مباشرة ، والمقاومة كانت سلبية طالما انصب الوضع على مدح آل بيت الرسول . ولكن ما أدلته في الحالة الثانية أيضا ؟ . نعم لقد بلغ الوضع مداه في القرنين الثاني والثالث الهجريين كما تدل على ذلك أسماء الوضاعين التي أوردتها كتب الموضوعات وكتب الضعفاء . ووضع بعض الشيعة أحاديث في فضل عليّ والطعن في معاوية « 1 » . كما وضع بعض خصوم الشيعة أحاديث في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ردا على من ينتقص منهم ، وعندما كثر سبّ الصحابة وضعت أحاديث في فضل الصحابة جميعا أو في فضل جمع منهم . وهذه الأحاديث تعكس الصراع الفكري والسياسي بين الأحزاب المختلفة ، ولكنها لم توضع مطلقا من قبل العلماء التقاة الذين عناهم جولد زيهر في كتابه . ودليلنا على ذلك أن الفقهاء التقاة قد حذروا من هذه الأحاديث الموضوعة مثل أبي حنيفة ، وعبد اللّه بن المبارك ، ومالك ، وشريك بن عبد اللّه ، ويزيد بن هارون والشافعي « 2 » . ومنها : أن اتهام جولد زيهر لعلماء المدينة
هامش
( 1 ) ابن تيمية ، المنتقى في منهاج الاعتدال ، ص 313 ، ذكره الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه « بحوث في تاريخ السنة المشرفة » ط 3 ، مؤسسة الرسالة ، 1975 م ، هامش ص 22 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 23 .