تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
وهل أنجبت الأمة الإسلامية رجلا مثل « معاوية » علما وذكاء ودهاء وسياسة وحلما ؟ . وإذا كثر الحديث عن ابنه « يزيد » فإن الكثير من المثالب المنسوبة إليه لم تكن صحيحة ولكنها من وضع المؤرخين ذوي الميول العباسية والعلوية ، وإلا ما ظنك بولي العهد يخرج من قصره ويشارك المسلمين في حصار القسطنطينية ويتعرض لأخطار الموت والأمراض وصعوبة الحياة شأنه شأن بقية المسلمين ؟ . . . وإذا اتهم « يزيد » بقتل « حسين » فهل سياسة الدولة تبيح له ذلك أو لا ؟ . والمرء عندما يحلل هذه الأمور يجدها لا تعدو خروج بعض الرعية على النظام القائم الذي من حقه أن يتخذ جميع الإجراءات الكفيلة بحفظ الأمن والنظام واستقرار الدولة ، وفي هذا الصدد يخاطب يزيد « علي بن الحسين » حينما أوتي به مع نسوة له بعد موقعة « كربلاء » « يا علي أبوك الذي قطع رحمي ، وجهل حقي ، ونازعني سلطاني . . . » « 1 » . وانظر إليه كيف عامل هاتيك النسوة ، ورق لهن ، وضمهن إلى عياله . قائلا : « قبح اللّه ابن مرجانة « عبد اللّه بن زياد » لو كانت بينكم وبينه رحم أو قرابة ما فعل هذا بكم ولا بعث بكم هكذا » « 2 » . وهذا « معاوية بن يزيد بن معاوية » يتولى السلطة بعد والده ، ثم حينما يقترب أجله يجتمع إليه بنو أمية ويطالبونه بتسمية ولي العهد من أهل بيته فيجيبهم قائلا : « واللّه ما ذقت حلاوة خلافتكم فكيف أتقلد وزرها ؟ وتتعجلون أنتم حلاوتها ، وأتعجل مرارتها ، اللّهم إني بريء منها ، متخل عنها ، اللهم إني لا أجد نفرا كأهل الشورى فأجعلها إليهم ينصبون لها من يرونه أهلا لها . . . الخ . أتفوز بنو أمية بحلاوتها وأبوء بوزرها ومنعها أهلها ؟ ؟ . كلا ، إني لبريء منها » « 3 » . وأخيرا من يستطيع أن ينكر فضل بني أمية في نشر الفتوحات الإسلامية من حدود الصين شرقا إلى فرنسا غربا ؟ . وهل زادت الدولة العباسية على شيء منها ؟ . ثم ما ذا أصاب الأمة الإسلامية بعد انقضاء دولة بني أمية ؟ . فهذا « ابن خلدون يحدثنا عن هذه النتيجة المؤلمة قائلا : « لم يزل أمر الإسلام جميعا دولة واحدة أيام الخلفاء الأربعة وبني أمية من بعدهم لاجتماع عصبية العرب ثم ظهر من بعد ذلك أمر الشيعة وهم الدعاة لأهل البيت ، فعلت دعاة بني العباس على الأمر ، واستقلوا بخلافة الملك ،
هامش
( 1 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، ج 7 ، ص 376 . ( 2 ) المرجع السابق . ( 3 ) المسعودي ، مروج الذهب ، دار الأندلس ، بيروت الطبعة الخامسة ، ج 3 ، 1983 م ، ص 73 .