تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
العباسي ، وبعضه الآخر كتبه مؤرخون متشيعون للبيت العلوي فتصبح معظم المثالب المنسوبة إلى الأمويين موضع شك وتساؤل لا يمكننا الركون إليها واستخدامها كمصادر محايدة لتاريخهم . ذلك أن الحكام الأمويين لم يكونوا بهذا السوء الذي وصفهم به مؤرخو العباسيين والعلويين ، وهذه الشواهد التاريخية نقدمها لك داحضة لهذه الأفكار التعسفية المتحاملة . فهذا ابن سعد يروي لنا في طبقاته عن نسك عبد الملك وتقواه قبل الخلافة ما جعل الناس يلقبونه بحمامة المسجد ، حتى لقد سئل ابن عمر ، أرأيت إذا تفانى أصحاب رسول اللّه من نسأل ؟ فأجابهم سلوا هذا الفتى وأشار إلى عبد الملك « 1 » . وهذا اليعقوبي - وهو مؤرخ العلويين - يصف في تاريخه عبد الملك بعد أن استقر له الأمر ، وقضى على الفتن أن ذهب حاجا إلى مكة ، دخل إليها ملبيا ، وخطب في أربعة أيام في كل يوم خطبة . وكان بعض ما قاله : إنه لم يجد أحدا أقوى منه لتحمل مسؤولية المسلمين ولا أولى بها منه ، لأن ابن الزبير كان يعطي مال اللّه كأنه يعطي ميراث أبيه ، وإن عمر بن سعيد أراد الفتنة فقتله ، وإنه أكرم البيت العباسي وأعاد إليه أعطياته ، وإنه لما أزمع العودة قافلا من حجه وقف على الكعبة قائلا ؛ « واللّه وددت أني لم أكن أحدثت فيها شيئا ، وتركت ابن الزبير وما تقلد » . وإنه عندما كان مارا بالمدينة وأغلظ لأهلها اعترضه أحدهم بالمسجد ووصفه بالكذب فكاد الناس أن يقتلوه فأمرهم بالكف عنه وأخيرا يصفه اليعقوبي بالرجولة والدهاء والعلم إلا أنه كان بخيلا « 2 » . ورجل هذه صفاته لا ينطبق عليه ما ذهب إليه جولد زيهر من الجهل والغرور وعدم الاهتمام بالرعية ، أما اهتمامه بالعلم والعلماء - وهو مطعن جولد زيهر كما رأيت - فقد عدد اليعقوبي الفقهاء في زمانه حتى بلغوا أربعة وثلاثين فقيها منهم كبار الفقهاء والمحدثين كعبد اللّه بن عباس ، وعبد اللّه بن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وابن أبي ليلى ، والشعبي ، والنخعي وسيار وغيرهم . ولعمرك إن عهدا يعج بهؤلاء الفقهاء والمحدّثين كيف يوصف حكامه بأنهم نشروا الجهل بدلا من العلم ، وآثروا لذاتهم عن تثقيف رعاياهم شعائر دينهم ؟ .
هامش
( 1 ) نقلا عن مصطفى السباعي ، المرجع السابق ، ص 376 . ( 2 ) اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 273 - 280 بتصرف كبير .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 445 | ساسي سالم الحاج