تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
نظام ديني متكامل ، والتعاليم الجديدة بدأت بالكاد بالتشكل والتكوين . . الخ » ، وهذا زعم باطل فالمدينة قدمت الإسلام نظاما متكاملا للعبادات والمعاملات ، فمنها دون القرآن وجمع ونشر في الآفاق وهو الذي يحتوي على جميع العبادات والكثير من المعاملات . ومنها انتشرت السنة التي تفسر وتوضح ما غمض أو أوجز في الكتاب . ومنها خرج أولئك الفاتحون وهم يحملون السيف في أيديهم والكتاب والسنة في قلوبهم وصدورهم . وهم الذين بصروا الناس بدينهم ودنياهم في الأقطار المفتوحة ، وهم الذين نشروا الإسلام بكلّ تعاليمه ومبادئه بينهم . وهم الذين أسسوا تلك المدارس الفقهية واللغوية لنشر الديانة الإسلامية وهم الذين - أقرءوا الناس القرآن وبصّروهم بالسنن ، ورأوا اختلاف القراءات وراجعوا « عثمان » ليجمع القرآن في مصحف واحد منعا للفرقة والشقاق . وهم الذين أرسوا القواعد العلمية لتلك المدارس الفقهية التي ازدهرت في القرنين الثاني والثالث الهجريين ، فالقرآن كما أسلفنا القول كان محفوظا متواترا في صدورهم وبينهم ، والسنة أذاعوها في الآفاق بحيث اعتمدت عليها تلك المدارس الفقهية التي لا يثبت شيء منها إلا بعد رجوعها إلى آراء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، هذا كله قبل أن تتطور الديانة الإسلامية كما زعم « جولد زيهر » . ومن هنا فإننا نتساءل عن الأدلة التي استند إليها هذا الباحث الكبير من أن المدينة لم تستطع تقديم نظام ديني متكامل لأن التعاليم الجديدة بدأت بالكاد بالتشكل والتكوين ؟ . فهو قد أورد عبارته الخطيرة هذه دون أن يؤسسها على مرتكزات علمية صحيحة ودون أن يشير إلى المصادر والمراجع التي يستشهد بها عادة ويستخدمها بغزارة مثيرة للإعجاب . يشير « جولد زيهر » في ثنايا بحوثه إلى ذلك النزاع الذي اندلع بين العلماء الأتقياء والأمويين . ويصور لنا حكام هذه الدولة بأنهم أجلاف غلاظ متكبرون ، لا يهتمون بالرعية ، ولا ينشرون بينها العلم والمعرفة حتى صارت معظم الأقطار الإسلامية لا تعرف تعاليم دينها ضاربا الأمثلة تلو الأخرى لتعزيز آرائه . ونحن لا نشارك « جولد زيهر » في هذا الرأي الذي ذهب إليه بوصف الحكام الأمويين بهذه الصفات المشينة ، وله الحق في ذلك لأنه استند إلى مصادر تاريخية إسلامية مناوئة لهم ، ونحن نعلم ذلك الحذف والتعديل الذي يطرأ على التاريخ نتيجة تعاقب النظم السياسية المتباينة . ثم إن تاريخ الأمويين قد كتب إبان الدولة العباسية التي حاولت طمس آثار من سبقهم . وشوه تاريخ الأمويين نتيجة عداء العلويين المستحكم لهم . ونحن نعلم أيضا أن مصادر التاريخ الموجودة بين أيدينا قد كتبت إبان العصر